ساهرة

وكالة الارامية / هناء احمد فارس

“بيا يمه ” عبارة وحيدة هذا كل ما استطاعت أن تنطق به وهي تصك وجهها بكلتا يديها ، كان تصرفاً عفوياً وفورياً من أم رزوقي وهي ترى ولدها الوحيد بعد غيبة سبعة اشهر يعود ليلاً ساحباً بيده فتاة شابة تلبس زياً غريباً لم تره سابقاً في مدينتها بغداد أبان خمسينات القرن الماضي.
كان الوقت شتاءاً كانونياً وقد التجأت كل الكائنات من بشر وحيوانات الى مواضع نومها متدثرة كلاً بما يليق به .
وهكذا فعلت تلك المراة الخمسينية فقد كانت معتادة الذهاب الى فراشها بعد صلاة العشاء كل يوم وفي توقيت منتظم لاتغيره اشد الظروف، ولانها كانت تسكن وحدها مع ولدها فقد كان من السهل عليها ان تحافظ على انتظام وقت نومها.
لذلك حين سمعت الطرقات على الباب الخشبي لبيتها ظنت نفسها تحلم، لكن تتابع الطرقات أزال غشاوة النوم عن عينيها ففركتهما بقوة وسألت الله خيراً في هذا الليل وأن يجنبها طوارق الليل ومصائبه ، ولم تكن تعلم ان هذا الطرق سيجلب لها
حكاية من أغرب الحكايات التي مرت عليها ، فهي لم تتوقع من ابنها ،وحيدها رغم مشاكساته ومشاكله في العكد ان تبلغ به الجرأة الى حد هذا الفعل الذي لايرضي الله ولا رسوله ، نعم هذا بالضبط ما أخبرت به ولدها رزوقي ولكن ماحدث قد حدث ومن الصعب تغييره فكيف يمكن ان تعيد هذه الفتاة الى ديارها البعيدة في بلوشستان فهي المرة الأولى التي تسمع بها بمثل هذا الاسم ،بلوشستان ، اين تقع تلك البلاد؟ ومن هم اهلها ؟ مثل هذا الأمر وغيره كثير كانت تجهله تماماً تلك المرأة البسيطة التي تزوجت بعمر الثالثة عشر رجلاً يكبرها بخمسة عشر عاماً ، كان يعمل في السكك الحديد ، وقد كان بيته هو ثاني بيت تسكنه بعد منزل اهلها في محلة باب الشيخ في بغداد القديمة، كانت امرأة بسيطة التفكير ملتزمة بادارة بيتها وشؤونه واقامة صلاتها وصومها لاتعرف عن العالم وخرائطه وبلدانه ومدنه شيئاً.
“ولك يمه ، شلون جتك الجرءة، شلون بكتها لهاي البنية ،خطية” ذلك ما استطاعت قوله لولدها وهي تضع اناءاً نحاسياً وابريق من الماء او اللكن كما كان أهل بغداد يسموه في ذلك الحين.
وهي تتبحر بعينيها بتلك الفتاة المختفية تحت عباءة ولدها وفروته الثقيلة ، ورغم ضعف انارة الفانوس النفطي أيقنت ام رزوقي ان الفتاة تملك قدراً كبيراً من الجمال وقد بررت في نفسها أن ابنها بسبب ذلك الجمال ،ارتكب فعله الشائن فقالت في نفسها باحثة عن عذرا له ولتصرفه المنحرف قائلة في نفسها “يجوز ما كدر على نفسه من شاف جمالها والله البنية بلور مو أنسية ،ياحسنها وياجمالها، وهاي العيون الخضر سبحان الله شكبرهم والحواجب السود ثخينة ومعكودة”.
“يمه احنا جوعانين شعدنج ، هالموجود الي قاسمه الله” ردد رزوقي قوله هذا شبه متوسلاً الى أمه ان تدبر لهم مايأكلوه فهم منذ الظهيرة لم يأكلوا شيئا ، لقد نفذ لديه الطعام في سيارته منذ الصباح وقد خاف ان يتوقف قرب احد الاسواق في بغداد خوفا من ان ينتبه أحدهم الى وجود تلك الفتاة بزيها الغريب .
أعدت المرأة الكبيرة السن ما استطاعت من الطعام على عجل ، لانها كانت تريد ان تطرح على ولدها العديد بل المئات من الاسئلة عن تلك الفتاة من اين جلبها؟ ومن هم اهلها؟ ومن اي البلاد هي؟ وغيره الكثير من الاسئلة التي كانت تتدافع في عقلها .
حاول رزوقي تجاهل اسئلة امه وهو يزدرد لقيمات من الطعام ، بينما كانت الفتاة تتناول طعامها بصمت ، وتكاد لاترفع عينيها عن اطباق الطعام التي كانت تحوي من الطعام قليله وبسيطه ، وحين اكملوا تناول الطعام طلب رزوقي من امه ان تعد له وللضيفة فراشا ، سارعت امه الى غرفته لتعد فراشه ، وحين اكملت تحضير غرفته بسطت في غرفتها فراشا قطنيا واخرجت من نضدة الفرش التي اعدتها دوما للضيوف وكانت تحوي عدداً من الوسائد والأغطية النظيفة و كانت رائحة البخور والمحلب تفوح منها فاخرجت منها فراشاً وغطاءاً ووسائد قطنية .
ذهب رزوقي الى غرفته لينام بينما جذبت أم رزوقي الفتاة من يدها وقادتها الى غرفتها وهي تتحدث معها بصوت خافت.
متسائلة مرة :من انت؟ ومن هم اهلك ؟، لكنها لم تجد سوى نظرات الفتاة وهزات من راسها بين حين واخر فظنت في نفسها أن الفتاة خرساء لانها لم تتكلم مذ دخلت البيت لحد الآن ، لكن الفتاة المسكينة كانت متعبة فحالما لفت نفسها بالأغطية راحت في نوم عميق ، ذلك النوم الذي لم يرد زيارة عيون أم رزوقي فقد جفاها النوم وكيف وهي تجد لسانها لا يكف عن الاستغفار لله عن الفعلة والبلية التي فعلها ابنها وهذه المصيبة التي جلبها الى البيت باعتقادها ولم تغفو عينيها الا بعدما اكمل مؤذن الحضرة القادرية آذان الفجر عندها قامت الى اللكن وبدأت بالوضوء ثم اكملت صلاتها بدعاء تطلب فيه من الله الستر والمغفرة وان لايؤذي ابنها الوحيد بسوء فعله وان يغفر له على ماجنته يداه.
أستيقظت ام رزوقي صباحاً قبل الجميع وذهبت لتوقظ ولدها فقد كانت اسئلة البارحة كمطارق مازالت ترن في راسها تبحث عن أجابات ، ” دخيل النبي يمه ،احجيلي الصدك هاي البنية بت منو؟ منين جبتها؟ خومو كاوليه؟ وشبيها هي خرسة لو لا ؟ البارحة شكد حجيت وياها بس تهز براسها وتباوعلي بعيونها الكبار ”
” لا يمه مو خرسة ، لاتخافين ، هاي بلوچية ، راعية غنم ، يمه شفتها من جنت على الحدود الأيرانية الباكستانية ، جنت انكل مونة ، لحملة مالت فرنسيين ، علماء مال آثار وكنوز يشتغلون بميهيرجاره”
“زين يمه انت شوداك هناك ، انت مو تشتغل بين بغداد ومشهد”
“أي يمه بس رزق وأجاني من جنت بمشهد لاكاني واحد ايراني ، يمه مثقف يشتغل بالبعثة مال الآثار وانطاني خوش اجر ورحت وياه ونقلنا مونة لهذوله الفرنسيين الى منطقة ميهيرجاره”.
وشلون جت وياك البنية يمه، واهلها شلون انطوها الك” أردفت أمه متسأئلة.
” يمه أهلها مايدرون أني نهبتها من الجول، جانت ترعى الغنم ، يمه ما كدرت، قلبي تعلك بيها من أول يوم شفتها بيه ”
” يمه ،الله وأكبر!!
شلون يمه انطاك كلبك ؟
“يمه بت الناس ، شلون تسوي هالشكل ، ماتخاف الله” أردفت أمه وهي تلطم وجهها شاعرة بالعار والعجب من فعلتها ابنها.
” يمه ما ادري من نهبتها وجريتها للسيارة ، بعد وراها خفت لا يجون اهلها ويكتلوني واني وحدي ، سقت السيارة بلا وعي ، من ولاية لولاية حتى وصلت لطهران ومنها لمهران انوب للكوت لحد ماوصلت لبيتنا ما واعي ، خايف ،بس ما اعرف شاسوي”
” ولك يمه ، حرام بت الناس تلكه هسه أمها واهلها ميتين عليها من البجي ، الله لاينطيك ، على هاي العملة”
“لازم نداري الفضيحة ، سيصير لو شافتها وحدة من الجيران ،يارب شلون، شلون نطلع من هاي المصيبة، ولك رزوقي طول عمرك مشيك مخالف وبطال”.
ياترى ماهو الحل؟ وكيف المخرج من هذه المصيبة؟ ، كانت اسئلة تتردد في عقلها وتحاول ان تجد حلولا لها ، فالخشية من أن تطرق بابها احدى الجارات كعادتهن ، بين يوم وآخر مابين سؤال عن صحتها واخبارها ومابين طلب لأحد ادوات مطبخها من جاون او غربال او أي شيء آخر كل تلك الأسئلة وجدت مرتعا في راسها طيلة الصباح .
أعدت ام رزوقي الفطور لأبنها وللضيفة الغريبة كان فطوراً بسيطاً من تشريب الباقلاء ، وشيء من الدهن الحر فرقعته على النار ، وقلت فوقه بيضاً بنفسها مع ابريق شاي وخبز تنور خبزته البارحة.
حين اجتمعوا على صينية الفطور ، فكرت أم رزوقي في نفسها، نعم لماذا لاأزوج أبني رزوقي على سنة الله ورسوله لهذه الفتاة ، فالآن أصبح من الصعب عودتها لاهلها ، والجيران كيف ابرر لهم وجودها في بيتي ؟، ستتكلم الجارات ويطرحن اسئلة كثيرة كيف ممكن ان اجيبهم لو سألوني من هي؟ ومن هم اهلها ؟واين هم اهلها؟
كانت تأكل الطعام وتقطعه وتمضغه باسنانها وكانت تطرح الأسئلة وتجد لها حلولاً في راسها ، وبات رأسها يغلي من شدة التفكير ، وتسأل الله في قلبها ان يغفر لها ماتفعل ، فهي تخاف على أبنها ان يقع في الفاحشة مع هذه البنت والحمد لله ان البنت لم تمكنه من نفسها طول طريق السفر من بلدها لحد بغداد، وفجأة جاءت فكرة مناسبة في بالها وتذكرت اقارب زوجها في كفري ، نعم لماذا لاتدعي ان هذه الفتاة يتيمة الأم والأب وهي من اقاربها من كفري جلبها عمها الى بيتهم لوجود صلة قرابة بينها وبين أم رزوقي.
” يمه أني قررت تتزوجها وراح اسويلك عرس تفرح بيه كل الدربونة ”
” صدك يمه ، ابوس ايديج ، بس يمه شلون والناس والجوارين شلون نفهمهم ” سارع رزوقي الى يدي امه واحنى راسه عليهم تقبيلاً ولثماً.
” أعوف السالفة ا الي واني أحلها ، بس هيا هاي البنيه ماتحجي ولاكلمة عربي ”
“لايمه، من نهبتها ولحد هسه ، بس تكول ممى ، پاپا، يمكن تكول يمه ويابه وتجيب طاري اسماء يمكن اخوتها ، كيخسرو، ، اورنك، حسن يار ” أجاب رزوقي على تساؤل امه.
” هي شسمها ، يمه ، انت ماتعرف اسمها ”
” اسمها رئوچه سمعت البنات الي جانوا وياها يرعون مرة صاحوا لها بهاي الاسم”
“الحمد لله يمه ، الناس بالدربونة مايعرفون كردي واي كلمة تحجيها هيا ،وماراح يفهموها ، لحد ما تتعلم عربي ، احنا نعاملها زين والله غفور رحيم”
” اليوم العصر اروح لبيت شيخ برهان الدين الكيم مال الحضرة اسأله شلون نعقد الكم ، اكله يتيمة واخاف اخليها بالبيت ويا ابني وان شاء الله يعقد الكم ونخلص يمه”
” ياريت يمه ترى ما انام الليل يمه ، احبها واعرف اني استعجلت بس جنت ادري اهلها اكيد ما ينطوها لغريب”
وهكذا بداءت اجراءات اعداد الزواج في بيت ام رزوقي على قدم وساق ، فقد قدم النداف ابو محمد الى المنزل وصبيه ستوري ومعهم ادوات الندافة من جك وميزان القطن فقد كانوا يكيلون القطن امام أم رزوقي وهي تقلب القطن بيديها الأثنتين وتشمه بانفها لتتأكد من نظافته وجودته وهكذا كان يقوم النداف ومساعده بصنع وندافة فراش العرس أمامها من وسائد ودوشــگ أبو النفرين للعرسان
( مرتبة السرير ) ولحافين وقد تاكدت أنه اختار أجمل قماش بلونين احمر وازرق لصنع صرة اللحاف وهي وسط اللحاف وعادة ما تتم خياطته بدرز جميلة جدا منها ما تسمى ،غرزة التفاحة ،وغرزة الكورة ،وغرزة البقلاوة حتى ينتهي من صناعة لحاف يكون تحفة فنية يسر كل من يراه ، والجيران مابين داخلة وخارجة تتعالى اصواتهن بالهلاهل ، ويبدءن بجر الصلوات على النبي باعلى صوتهن كلما لمحن العروس المترقبة وقد قامت ام رزوقي بارسال ابنها رزوقي الى بيت خاله ابو خيري في منطقة الفضل ليقيم عندهم لعدة ايام حتى يحين موعد العرس وقد أوصته بحرص شديد ان لا يتطرق للحديث عن مغامرته المخزية والحفاظ على السر حتى يكملها الله بالستر كما كانت تقول وتدعو ، وهكذا مرت أيام تحضيرات العرس بتعبها وقلقها خوفاً من أن يكتشف شيء عن فعلة ولدها وحادثته المشينة ولكن الحمد لله الستار خافي العيوب كما كانت تكرر ام رزوقي عقب كل صلاة لها وعند كل فجر يوم جديد ، وهكذا تم العرس وقد زفت العروس بفستان في منتهى الجمال والروعة كان هدية من عاتكة خاتون بنت السيد برهان الدين وقد صنع الثوب من حرير دمشقي جميل جدا، زاد الثوب، روعة جمال العروس رئوچه.
وهكذا مرت ايام العرس بحلوها ومرها على افراد البيت جميعاً وعاد رزوقي الى رحلات سفره المستمرة في نقل البضائع وغيبته عن المنزل في شهور فلم تجد ام رزوقي و رئوچه تسلية بعد شغل البيت واعماله الا تعليم مفردات البيت العراقي باللهجة البغدادية للعروس .
“هذا لكن للمي وهذا مي” هكذا قضيتا تلك المرأتين ايام انتظارهما لعودة الغالي رزوقي .
وكان بين سفروسفر لقاء ووداع ، أبتسام وبكاء ، كما كان هناك حمل ونهاية مؤسفة لاحلام ام رزوقي بحفيد تكتحل عيناها برؤيته قبل ان يخط ملك الموت اسمها على قائمته المحتومة ، وبينما كان رزوقي يجد سلوته في السفر الطويل في بلاد الله الواسعة متنقلا بين وجوه ولهجات ولغات بشر لم يكن يتسع له الوقت أن يحفظ اسماءهم ، لم تجد تينيك المرأتين سوى بعضهما أنيس في ليالي صيف وشتاء بغداد ، واصبحت رئوچه تخاف ان تغفو عيناها خوفا من ترى الكابوس الموعود بظهور مادر بزرگ ( الجدة الكبيرة بلغة اهل بلوشستان ) وهي تجرها من طرف فستانها وتسقطها أرضا وتقوم بضربها على بطنها وتعودت رئوچه
ان رؤية جدتها في الحلم يعني ان تجد نفسها منقلبة فوق طفلها الصغير والزبد يخرج من فمه ليكون ذلك الفجر آخر فجر له على هذه الأرض ، ليشعل في قلبها حريق آخر لفراق صغير آخر، وكانت تعلل مايحدث لها ولصغيرها انه لعنة مادر بزرگ (الجدة الكبيرة) فقد كانت تتذكر انهم عندما كانوا صغار كانت الجدة تجمع احفادها حولها من بنات وصبيان وكان يحلو لها أن تربط ذيل فساتين الفتيات بقمصان الصبيان وهذا الربط تعني به أن تكون فلانة من الفتيات هي عروس المستقبل للصبي الذي تربط بقميصه ، وكانت رئوچه تحدث أم رزوقي أن مايحدث لها ليس عبثا بل هو لعنة الجدة الكبيرة لأنها تزوجت شابا عراقيا مخالفة
مخططات الجدة ، وهكذا امتلىء قلب رئوچه بالألم بينما فرغ الكاروك الخشبي قرب سريرها من طفل تناغيه او تحتضنه .
مرت عدة سنوات ولم ترى أم رزوقي حفيدا لها يحبو في حوش البيت ، وهذه الأمنية هي من جعلت عيونها تمتلىء بالدمع حتى وهي في فراش الموت مودعة ولدها الوحيد وزوجته المسكينة.
خلا البيت ،وحوشه من انيس لرئوچه بعد وفاة أم رزوقي وطالت فترات غياب رزوقي من البيت فهو قد تعرف الى اصدقاء جدد، كانوا يلاحقونه حتى وهو عائد من سفره بين البلدان ،ليذهب معهم الى اماكن جديدة يعاقر فيها الخمر ويلتقي فيها بنساء يمارسن الرذيلة تاركاً زوجته في وحدتها تقضي وقتها في اعمال المنزل او في الحديث من الرازونة (وهي نافذة صغيرة تصل بين بيتين صغيرة ، دائرية الشكل ) مع جارتها ام محمد تلك الأرملة التي فقدت زوجها الشاب بمرض السل فغادر الدنيا تاركاً لها اعالة خمسة فتيان وبنت وقد كان يحلو لرئوچه ان تحتضن نورية وكانت تضحك من مشاكسات نورية واخيها نوري حين يشاكسون بيت جارتهم ام عبدالله التي كانت صابئية من العمارة حين كانت تقبع في منزلها في يوم معين وتقفل الأبواب على نفسها واولادها ولايخرج زوجها في ذلك اليوم من المنزل اتباع لتقليد ديني لديهم ولكن نورية ونوري لم يكونوا يعلمون لماذا لايرغب عبد الله واخته زهور في الخروج الى الشارع في ذلك اليوم وبعد أن يملوا من مناداتهما و ييئسون من استجابتهم كانوا يمطرون بيت ام عبدالله بالحصى الصغير ،مما يضطر ام عبدالله للخروج لهم حاملة شيئا من الحلوى تعطيهم أياها راجية ام محمد ان تجعل صغيريها يكفان عن فعلتهما ، وبعد أن حدثت ام عبدالله في أحد الأيام رئوچه عن سبب ومعنى (الجبسة ) أي اعتكاف العائلة لمنزلهم في ذلك اليوم تفاجأت رئوچه كثيرا لأن في بلدها بلوشستان لم يكن احد يملك تقليدا دينيا مثل هذا.
يوم بعد آخر وسنة بعد آخرى أحبت مدينة بغداد واحبت ناسها ،وصويحباتها في الدربونة كن يعتبرنها أخت حقيقية لها يشاركنها اسرارهن ، افراحهن ، واحزانهن
وأصبحت تشعر أنها بين أهلها وناسها ، ولكن حياتها مع زوجها رزوقي كانت قد اصبحت شيئا آخر فمنذ أن عرفت قدميه طريق الدرابين الضيقة والمشبوهة في منطقة الميدان ، تلك المنطقة التي كانت تسمع صويحباتها يتكلمن عنها بصوت خافت وبضحكات مهموسة مريبة وغمزات تزيد الشك في قلبها من سوء تلك الزيارات المنتظمة لزوجها لتلك المنطقة كما ساءت اخلاقه واصبح يوماً بعد آخر أكثر برماً بالجلوس في المنزل معها ، واصبح منقطعاً عن زيارة سريرها ، فكانت رئوچه تكتم كل معاناتها في قلبها وتجد السلوى في جلوسها مع صويحباتها واطفالهن ، وفي أحد الأيام لم تعد تجد مجالاً للصبر امام سكر وعربدة زوجها لأن وضعه الأخلاقي تدهور فقد بدا في ضربها وحين أبصرت ام محمد (موهة ) هكذا كانت رئوچه تنطق اسمها حيث تقلب الحاء هاءاً، لم تستطع تلك الجارة المخلصة حين وجدت أثر الضربات والكدمات واضحة على وجه صديقتها الا ان تصبرها وتدعوها الى ان تسير رابطة حزاما على بطنها الى أبي الفضل اي الأمام
العباس (عليه السلام) متوسلة بجاهه عند الله أن يهدي زوجها ويرقق قلبه ويعيد اخلاقه ومعاشرته الى ماكان عليه سابقاً من رحمة ورأفة .
أعدت رئوچه العدة لزيارة الأمام العباس وربطت خصرها بحزام اخضر بعد ان اكملت صلاة الفجر وركبت احد السيارات الذاهبة لزيارة الأمام في كربلاء مع صاحبتها ام محمد وصغيريها ، كان الطريق ممتعا رغم تعبه فالخضرة تحيط بجانبي الطريق من بساتين الفاكهة واشجار النخيل والهواء العليل وقد أزاحت خضرة الطريق شيئاً من الهم عن قلب رئوچه ،وصحبة ام محمد كانت ممتعة وقد تناولنَّ ما اعدته رئوچه من طعام بسيط ،حيث كن يخبئن وجوهن َّ تحت العباءة ويتناولن الطعام بصمت على عادة النساء في ذلك الوقت لانهن كن يشعرن بالخجل من تناول الطعام امام الغرباء ،وأخيراً وصلوا جميعاً الى حضرة الأمام العباس (عليه السلام) فوجدت رئوچه نفسها ترتمي على أرضية المرقد المقدس لتجهش بالبكاء ، بكاء الغربة ، بكاء فقدان الولد ، بكاء نكران الزوج وقسوته ، حتى انها لفتت انظار الزائرين وأحسوا بالشفقة عليها وعلى قلبها من هذا الحزن الذي يخرج من روحها بشكل دموع وشهقات وموجات من البكاء ،عندها اقتربت منها امراة ثلاثينية جميلة الملامح ، قائلة لها: “خيتي أذكري الله ، علكيفج ويا روحج ، مو هالشكل”
فأجابتها عنها أم محمد :” خيه عوفيها ، من ضيم قلبها ، خليها تطلع قهرها وضيمها”
” أي خيه بس خاف تموت هاي من البجي” أجابت المراة التي كانت بملامح جنوبية.
عندها حضنت ام محمد صاحبتها وواستها طالبة منها ان تتوقف عن البكاء وبعد اكمالهن مراسيم زيارة الأمام نادتهم تلك المراة الجنوبية وكان أسمها أم صباح ودعتهن الى الجلوس قربها في الأواوين التي كانت تتوزع على جانبي الحضرة
وعندما جلسن معها سألت رئوچه عن قصتها وسبب حزنها فحكت لها رئوچه
قصتها من اولها عندما كانت ترعى الغنم حتى يومها الحالي فبكت المراة لحالها
وعز عليها غربتها وسوء معاملة رزوقي لزوجته وبعد لحظات ذهبت ام صباح الى مكان وجود زوجها وقد اخذ ركناً بعيداً عن النساء وسردت عليه قصة رئوچه
فتألم لحالها وطلب من زوجته ان تستأذن المراتين ان تسمحا له بالجلوس والتحدث معهن فقبلن على استحياء فتوجه اليهن قائلاً:
” السلام عليكم خويه، خويه أعتبريني اخوج بحق كافل أخته العباس ، ، واذا سمحتي الي أني ومرتي نجيكم للبيت ,اشوف رجلج ”
” الله يحفظك ” أجابته رئوچه وهي تكفكف دمعها
وأردفت أم محمد ” الله يحفظك خويه”
“خويه وطول ما اني عايش تحرمين عليه حرمة اخواتي وحقج عليا حق أخواتي، من خام وطعام “ٌقال الرجل وهو لايرفع عينيه من الأرض خجلاً وحياءاً.
” وهاي جتفاتي للعباس أخو زينب ، يابت أدم وحواء ، انتي أختي ، يحلج مايحل لاخواتي ويحرملج مايحرم الهن”.
“كثر الله من أمثالك خويه ، والنعم منك ” أجابته أم محمد لأن الدهشة والأمتنان
قد عقدا لسان رئوچه فقد وجدت نفسها مذهولة من حجم الطيبة والرحمة الصادرين من قلب هذا الرجل الغريب الذي قَبلَ خلال لحظات أن يحمل مسؤوليتها وهي المراة الغريبة عنه ويضيفها كأمانة في عنقه ، واضعا نفسه في عهد مقدس أمام الله وأمام كفيل الحرائر أبو فاضل (عليه السلام).
عادت رئوچه وأم محمد الى بيتهما وشعور من السلام والأطمئنان يسود روح ونفس رئوچه، ذلك السلام الذي أصبح يرفرف على منزلها الصغير بعد أن أتى أبو صباح وزوجته الكريمة الى بيتها، لمقابلة زوجها رزوقي حاملين معهم ما مكنهم الله ورزقهما من كسوة ومآكل هدية لبيت الأخت الجديدة وقد أنصاع رزوقي لحديث ابو صباح واقناعه اياه بترك معاقرة الخمر والبيوت المشبوهة ووصيته خيراً بزوجته، وقد فعل ووفى رزوقي بتلك الوصية ، وعاد سيرته الأولى في حب ورعاية زوجته فرزقهما الله وليدة جديدة أسمياها ساهرة ، لتبقى عيون أمها والآخرين ساهرة عليها حتى لاتلقى مصير اخوتها الآخرين وقد كانت رئوچه
قد أتفقت مع أم محمد ان تكون ساهرة طوال النهار في بيت أمها لترضعها ومساءا تناولها عبر الرازونة التي توجد بين البيتين الى يد أم محمد لتنام مساءا هناك وترعاها أم محمد بشراب الكنداغ ( وهو مزيج من السكر والماء الدافىء ) تتسلى به الطفلة ليلاً ويشعرها بالشبع حتى تظهر شمس نهارا آخر لتعود الى يد أمها رئوچه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish