يوميات نازح

 

 

وكالة الآرامية/                               كريم إينا    – بغديدا

 

 

يوميات نازح

                كريم إينا

 

نزح المسيحيون عن قراهم المتوزّعة على أطراف الموصل إلى منطقة عينكاوة في أربيل. تكتظّ مخيّمات عينكاوة بالمسيحيين النازحين، وكلّ لهُ رواية خاصة في نزوحه، وكلّ لهُ همومهُ وإحتياجاته، ولكن أوّل إهتمام لهم متى ” العودة” تركوا الغالي والنفيس ونزحوا بأرواحهم وما عليهم من ثياب. هناك في عينكاوة من يبحث عن عمل لعدم إمتلاكه ديناراً واحداً في جيبه ورغم سوء الحياة للنازحين نراها أفضل بكثير من الحياة التي تبقى تحت سلطة داعش الذي حرمنا من أبسط مفردات البطاقة التموينية التي كنّا نستلمها من محافظة نينوى. غَدَاْ الإضطراب يعمُّ منطقة سهل نينوى وخاصة” بغديدا” بعدد نفوسها المكتظ، جلب المساعدات للعوائل من الدجاج والخبز والرقّي والبطيخ والقسم من بدأت العوائل تخرج من بيوتها زرافات.. زرافات أو جماعات.. جماعات إلى إقليم كوردستان/ محافظة أربيل، محافظة دهوك، محافظة السليمانية وبقية النواحي والقرى التابعة لتلك المحافظات، كنتُ دائماً أسأل نفسي والناس السابلة وخاصة جيراني أقولُ لهم ماذا حصل ما المسألة وما الداعي لخروجكم الآن من بغديدا؟. كانت إجاباتهم غامضة نحنُ نذهب إلى أربيل مجرّد سياحة أو تبديل جو، ولكن فكري أصبح مشوّشاً لم يقتنع بتلك الإجابات وبما يدورُ من حولي كحركة قطعات قوات البيشمركة والأشايس وحراسات بغديدا والأمن والشرطة الغير الطبيعية كلّهم مستنفرين دقّ ساعة الصفر. وفي لحظة من الغفلة كنتُ العب الشطرنج في مقر نادي سورايا الرياضي أنا وزميلي إبراهيم وإذا بأحدهم يقول لنا: لقد وصل مسلّحوا” داعش”الإرهابيين إلى دير مار بهنام الشهيد كانت آنذاك الساعة العاشرة صباحاً بتاريخ 23/6/2014 حيث تمركزوا فيه يسرحون ويمرحون بين ثنايا أعمدته ومخطوطاته وإيقوناته والسيطرة على جميع غرفه وأروقته وبساتينه تماماً. مرّة أخرى إنطلقت الإشاعة من فم أحد المتهوّرين وهو يضربُ إطلاقات عشوائية في الهواء بقوله: وصل داعش إلى بغديدا ممّا أدخل الرعب والذعر في قلوب الناس لم أر في تلك اللحظة وقتها غير صوت رشق الإطلاقات عالياً والغبار يتعالى وأصوات تهتف إهربوا لقد وصلوا. إرتجفت عظامي عندما كنتُ نازلاً إلى السوق لشراء بعض الحاجيات للبيت. لاحظت مشاهد غريبة أمام ناظري كسرعة المركبات والدراجات الهوائية هنا وقع إصطدام بين سيارتين وهناك إنقلبت دراجة على تلّة ترابية وإمرأة وقعت في حفرة مشروع الماء الجديد الذي لم يكتمل بعد أن تركهُ العاملين من الذعر وأناس يبحثون عن أولادهم للذهاب بسرعة إلى أربيل. في تلك الأثناء كانت القوات الكوردية ” البيشمركة” والأشايس” تحفر المواضع بالشفلات تضع أكياساً رملية وأعمدة وحواجز كونكريتية وأسلاك شائكة حول أطراف المدينة تحسّباً لأيّ هجوم أو خطر قد يحدق بالمنطقة. وإشارات تلوحُ في سماء بغديدا لسحابة بيضاء تحضنها شفيعتنا مريم العذراء. بدأ التراشق بالسلاح بين الطرفين القوات الكوردية ومسلحي داعش ومن يساعدهم من شرذمة أهالي المناطق القريبة التابعة لقضاء الحمدانية/ قره قوش ناكري الجميل الذين أكلوا الخبز والملح من الخديديين في بيوتهم وتعلّموا بفضل سواعد أبنائهم المسيحيين المعلمين والمدرسين الذين كانوا يعلّمونهم في مدارسهم بعد أن كانوا يقطعون المسافات الطويلة بالسيارات متحمّلين حرارة الصيف وبرد الشتاء طيلة السنين التي مضت. بدأ القصف بالهاون من قبل الطرفين حينها رأيتُ أمامي أشياءاً غريبة قد حصلت ذاك البائع ينزّلُ ستارة (خبنك) دكانه وبائع الفواكه والخضراوات يحمّل بضاعته بالسيارة كي ينفذ بجلده وتلك الأخت قد نست جناسي أولادها في البيت تبغي الرجوع، والذي كانت سيارته عاطلة في البيت تركها وهرب، وسيارات الكنيسة ودار مركز مار بولس للخدمات الكنسية بحاجةإلى سواق لإخراجها من بغديدا إلى أربيل خوفاً من أن تصبح بأيدي الظلاميين، المريض المستلقي على السرير والمعوّق واليتيم والأرملة كل هؤلاء ليس لهم أحد كي ينقذهم أصبحوا في مكانهم لا يعرفون ماذا يفعلون؟.خرجت أعداد كبيرة من العوائل من بغديدا إلى أربيل.وبعد أن إشتدّ القتال بدأت قنابر الهاون تتهاوى بصورة عشوائية على مؤسسات الدولة، في باحة ملعب عمو بابا، على الكنائس، على البيوت والمحلات كاد كلّ شيء لا يطاق حتى الموتى في قبورهم لم يسلموا من غدر قذائفهم. وفي ليلة يوم 25/6/2014 أنا وعائلتي وأبنائي قصدنا ناحية ديانا التابعة لمحافظة أربيل. ذهبنا إلى ” كنيسة مار كيوركيس” التابعة لكنيسة المشرق الآشورية كنّا خمس عشرة عائلة في البداية إستقبلنا من قبل راعي الكنيسة الأب يترون يونان داود أحرّ إستقبال وأسكننا في إحدى قاعات الكنيسة الرحبة ملبّياً لنا كل طلباتنا من طعام وشراب. علماً القاعات كانت مكيّفة وداخل كل قاعة مغاسل وثلاجة وطبّاخ وأواني وصحون وأقداح مرصوصة داخل بوفيه لم نكن نتصوّر ما نراهُ أو نشعر بأننّا كغرباء ونقولُ: دائماً أنّ الدنيا ما زالت بخير ” لو خُليت قلبت”.الكل تعاون معنا من شماس الكنيسة والساعور إسحق ومساعدهُ ديفيد والأستاذ يوئيل وموزعوا المواد الغذائية السيد أدمون والسيد بولص وفريق شبيبة الكنيسة كل هؤلاء أناس لطفاء أصحاب غيرة ونخوة. ولا ننسى طيبة أهل ديانا بكردها ومسيحييها ترى الكل يتسابق من أجل أهالي ديانا يطبخون في بيوتهم بقدور كبيرة تكفي لثلاثين شخصاً تقريباً. وأحلى شيء رأيتهُ في حياتي عن المودة والألفة لأهالي ديانا المتأصّلة بينهم هو عندما تسيرُ في الشارع سواء كانت إمرأة أو رجل مسن أو شاب أو طفل يلقون عليك التحية بكل رحابة صدر حتى إذا لم يعرفوك.وهذا الموقف حقيقة ترك شيئاً قد حزّ في نفسي وأخصّ بالذكر أيضاً دور الأستاذ إيفان جاني مسؤول منظمة خيروثا والأخت مورين كلاهما وزّعا لكل عائلة آنذاك مساعدات خيرية تضمّنت مستلزمات المعيشة من الخبز والسكر والشاي والمعكرونة والملح والزيت والصابون وغيرها من المواد الأخرى. بقينا تقريباً سبعة أيام إلى أن تم دحر داعش من مناطقنا من قبل قوات البيشمركة البطلة. حينها رجعنا إلى منازلنا سالمين غانمين شاكرين راعي الكنيسة ومن معه في لجانها.وبعد إنقضاء شهر ونصف تقريباً في بغديدا باتت الحالة مرة أخرى لا تحتمل بدأت الجرائد تكتب والفضائيات تنشر خبر زعزعة الوضع في منطقة سهل نينوى والإشاعات بدأت تتناقل بين الناس بالغول القادم وأعداد كبيرة من العوائل خرجت من قره قوش ” بغديدا” إلى محافظات إقليم كوردستان، وبغداد، وكركوك، والبصرة، وبعقوبة. سألنا بعض المسؤولين والساسة العاملين ضمن أحزاب شعبنا الكلداني السرياني الآشوري والأعضاء العاملين في الأحزاب الكوردية أجمعوا كلّهم بقولهم: لا تخافوا لا يوجد شيء. بالرغم من الضبابية والرؤية الغير الواضحة أصبحنا في حالة يرثى لها بسبب إنقطاع التيار الكهربائي وتوقف شبكة الماء عن العمل في دفع المياه الصالحة للشرب إلى البيوت. وبين ليلة وضحاها بدأ العدّ التنازلي لهجوم داعش على مدينتنا العزيزة بغديدا للمرة الثانية والشخص الذي كان يمتلك سيارة نفذ بجلده إلى مدن وقرى أربيل والسليمانية ودهوك. والذي لا يملك السيارة ظلّ يضربُ الأخماس بالأسداس ينتظر رحمة الله تنزلُ عليه أو ربّما يحصل على فرصة أو منفذ لينجو بعائلته من الخطر المحدق. وفي تاريخ 6/8/2014 أصبح الأمر لا يطاق بسبب المناوشات بالأسلحة الخفيفة بين قوات البيشمركة يساعدها جهاز الأشايس والأمن وحراسات بغديدا ضدّ داعش وهذا اليوم يعتبر الهروب الثاني لأهالي بغديدا ولكن القصف إشتدّ أكثر ممّا حدا بسقوط عدد من قنابر الهاون على الأحياء السكنية ما أدّى إلى سقوط شهداء منهم الشابة إنعام إيشوع وطفلين بعمر الورد تطايرت أشلاؤهم في تلك اللحظة في سماء بغديدا حيث لم تسنح الفرصة لذويهم بعد دفنهم من إقامة الشعائر والطقوس الدينية وصورة الفاتحة على أرواحهم.وخلال تلك الفترة فقدت قوات البيشمركة زمام الأمور بسبب عدم تعادل أسلحتها قياساً مع أسلحة داعش المتطورة فلم يكن من جانب القوة الكوردية إلاّ الإنسحاب لأسباب لوجستية أو ربّما تكتيك فني لإعادة التنظيم مرة أخرى. بعدها حدث الذهول والخوف والهروب إلى اللامجهول لأبناء شعبنا في بغديدا فالذي خرج بالبجامة إنزاح همّه والذي بقي يحرس بيته إزدادت معاناتهُ من قبل مسلّحي داعش بعد الإستيلاء على المنطقة لمجمل مرافق الحياة وتم الضغط على الناس الساكنين فيها بإجبارهم للدخول بالدين الإسلامي أو الشهادة لهم أو دفع الجزية والذي يرفض ذلك يقتل بالسيف.أمّا الموافق على شروطهم ما زال يعاني الأمرين من سياسة وغطرسة داعش المتعجرفة والمتطرّفة التي شوّهت قيم وأصول الدين الإسلامي الحنيف عندما رفعت راياتها السوداء على المستشفيات ودوائر الدولة والكنائس بعبارة” الله رسول محمد” عكس ما يعرف به الآن بأنّ ” محمد رسول الله” وبدأت سياسة داعش التكفيرية في بغديدا وبرطلة وكرمليس بكسر صلبان الكنائس وفتح المحلات والمولات لتعزيز وإدامة قواتها الغازية بالأرزاق الجافة والمؤن والشراب وسرقة المساكن وبيعها للصوص المترامية من أطراف بغديدا بمبلغ بخس كل بيت بـ(500)دولار مقابل سرقته كاملاً بكل محتوياته. هذا فضلاً عن ما تركه الخديديون نتيجة خوفهم وإضطرابهم من المقتنيات كالذهب والفضة والأموال وتعب السنين من محلات ملآنة بأجهزة الكومبيوتر والموبايلات والأكسسوارات والأدوية بالإضافة إلى أرزاق الفلاحين من محاصيلهم بآلاف الأطنان من محصول الحنطة والشعير والعدس التي هرّبها داعش إلى مخازن سوريا والمحلات التي كانت تخزن أطنان كبيرة من الحديد ومخازن الكازوايل والبنزين والنفط الأبيض. لم تكتف سياسة داعش بذلك بل إتخذت لها عملاء خونة وجواسيس من نفس المنطقة كأدلاّء لبيوت الناس بحثاً عن السلاح لمن كان يعمل مع الأحزاب والشرطة والأشايس وحراسات بغديدا فيتمّ سرقة بيته. ولم يكتفوا بذلك فقط وإنّما قاموا بنزع خزانات المياه وتفخيخها مع قناني الغاز. بالإضافة إلى ذلك قاموا بحفر المواضع حول المنطقة لغرض إستمكانها وعدم السماح لأي شخص الخروج من المنطقة إلاّ بأمر من الوالي الكبير أبو بكر البغدادي. وقتها تم الإستيلاء على دير مار بهنام الشهيد وفي هذه المرّة قاموا بطرد كلّ الرهبان الموجودين في الدير مع بدأ عمليات سرقة مقتنيات الدير من المخطوطات السريانية الأثرية القديمة والتحف والصلبان والكؤوس الفضية والذهبية الخاصة بطقوس الصلاة الربّية واللوحات الدينية والإيقونات إستمر الوقت ثلاث ساعات بعد ذلك خيّم الليل الحالك على الدير. كان شفيع الدير القديس مار بهنام وأخته سارة والجيش الذي معه يزحف على الظلاميين بخيولهم ممّا يُدخلُ الرعب في نفوسهم وعندما يشعلوا الأضواء في الدير ينقطع صوت صهيل الخيول المدوّي. يطفئوا الأضواء مرّة أخرى يبدأ الجيش بالتحرك مرّة أخرى بصوته المخيف.  إستمرت الحالة على هذا المنوال عدّة أيّام بشهادة العرب الساكنين في مدينة الخضر وما رووه لنا بما رأت أعينهم من رهبة وإنذهال لذلك الشيء. وقتها كان خروجنا في تمام الساعة السابعة عصراً بتاريخ 6/8/2014 مع أهلي ونسائبي إلى أربيل وفي الطريق قبل الوصول إلى الكلك كانت الأتربة الحمراء تعلو الطريق بآلاف السيارات الراكنة في لجّة الأتربة وصيحات الناس تدوّي هنا وهناك سواء من الأطفال أو بين الشباب أو الرجال أو بين العجزة…إلخ. عبرنا الطريق بصعوبة راجلين إلى نقطة التفتيش الرئيسية لأربيل بعد تدقيق الهويات كوننا مسيحيين عبرنا بلهفة والعطش يسدّ أفواهنا والجوع سراب لا نناله. الحمد لله وصلنا إلى أربيل في منطقة عينكاوة قرب كنيسة مار يوسف حالنا حال بقية العوائل المسيحية المشرّده لم نحصل وقتها على مكان ما في الكنيسة لأنّها كانت تكتظّ بالعوائل النازحة سواء في ساحاتها وقاعاتها أو حتى حدائقها كلّ من فرش له مكاناً وجلس وقتها كان الجو حاراً فأصبحت الكنيسة فندقاً للمهجّرين بثلاث نجوم. الكنائس أفرغت قاعاتها وغرفها لهؤلاء الناس النازحين وعن طريق المطارنة والآباء الكهنة والرهبان والراهبات وجوقات الكنيسة والشبيبة أقيمت لهم أمسيات ونشاطات خيرية وحفلات ترفيهية وثقافية للأطفال وللكبار لغرض إزاحة الهم الذي كان يكبتُ صدورهم وصدور عوائلهم. أيضاً لا ننسى فضائية عشتار كانت بدورها تنقلُ الحدث يوم بيوم وتعقد لقاءات مع العوائل النازحة من قبل الكاتب والإعلامي توفيق سعيد والكاتب المسرحي رفيق نوري وأيضاً إقامة خيمة خاصة خارج الكنيسة وسط عينكاوة لتكون على شكل مستوصف للمراجعة من قبل المرضى النازحين بالإضافة إلى مستوصف حبيب مالح الذي يديره الدكتور ليث حبابة مع كادر مستشفى الحمدانية من أطباء وممرضات ومضمدين. وكنّا دائماً نترقّب الشريط الذي يمرّ من خلال فضائية عشتار عبر شاشة التلفزيون التي تعرض مشاهد عن معاناة العوائل النازحة في كل مناطق إقليم كوردستان وعن العوائل القادمة من بغديدا لوضعهم التعبان حيث يتم فحصهم ومعالجة المرضى منهم ومن ثمّ تسليمهم إلى ذويهم.  نظرت المسألة صعبة قرّرتُ الخروج من الكنيسة فوراً كون الرائحة لا تطاق حيث الماء في الكنيسة منقطع والمجاري مسدودة بسبب العدد الهائل من العوائل النازحة الذي إكتسح أروقة الكنيسة دفعني الفضول أنا وعائلتي ونسبائي دخول هيكل بناية متروكة لم تكتمل بعد  مقابل الكنيسة. قمنا بتنظيف الأرض وجلبنا كارتونات من الورق الكاغة من الباعة لفرشها والنوم عليها بعد تدثّرنا ببعض البطانيات التي جلبناها معنا من البيت. بقينا يومين ليس هناك من مجيب كانت فكرة أحدهم بأن نستقلّ السيارات إلى ناحية ديانا التابعة لقضاء سوران. مرّة أخرى طرقنا باب كنيسة القديس مار كيوركيس الشفيع وحينها كانت تعجّ حدائقها بالعوائل المهجّرة تقريباً ما يقارب تصوّري نحو ” 150″ عائلة نازحة من بغديدا وبرطلة وكرمليس وبعشيقة. إلتقينا مرّة أخرى بالأب يترون يونان داود ومع لجنة شبيبة الكنيسة لفترة وجيزة في الكنيسة كونها كانت مغلقة بالعوائل بالإضافة إلى مدارس المنطقة من رياض الأطفال والمدارس الإبتدائية ومتوسطات وإعداديات الناحية. لم نحصل في حينها على أيّ مكان لذا حاولنا السكن في بيت أقاربنا لعدّة أيّام بعدها أجرّنا بيتاً بـ “200” ألف دينار مع أجور المولدة والماء في منطقة المطار في قضاء سوران سقف البيت يتكوّن من الخشب عندما تسقطُ الأمطار عليه يدخلُ علينا وابلٌ من المياه بالإضافة لما نعانيه من وجود الفئران التي تعشّشُ في السقوف وثغور البيت بدأنا بحملة كبيرة لإنهاء معاناتنا من المطر الساقط علينا فقمنا بشراء مشمّع (نايلون) كي يقينا من زخات المطر الهادر أمّا الفئران فقد أغلقنا كلّ الثغور والمنافذ التي تأتي منها بالإضافة لشرائنا معجوناً لاصقاً وحبوباً سامة وبهذا قد حصلنا على مرادنا بقتل العدد الكبير منها ولا زلنا نعاني من عدم صلاحية مياه البئر والتي جلبت لنا الإسهال وظهور الحبوب على سيماء وجوهنا وحساسية داخلية بأجسادنا بالإضافة لسقوط الشعر لملوحة المياه. وحول بيتنا المؤجّر دوراً سكنية لإخوتنا الأكراد الذين أظهروا لنا الشهامة والكرم السخي فالجار أبو آرام يعطي لنا جهاز التلفزيون والستلايد والكراسي وأبو محمد يجلب لنا الخبز الحار والدجاج والسيد نشأت يكرمنا بمواد غذائية والسيد عماد يأتي بالخضار والفواكه من بستانه” فالناس للناس من بدو ومن حضر”. وغيرهم أهل سوران كثيرين أسكنهم الله بنعم الجنة.  وعندما بدأ العام الدراسي الجديد في مدارس ديانا وجب على العوائل الساكنة فيها بالخروج منها وهنا بدأت محاولات كاهن الكنيسة الحثيثة بإقناع أصحاب البيوت من أجل إسكان العوائل النازحة فيها بدون أجر يذكر. والحق يقال: رغم قصر قامتة نرى فعله وتأثيرهُ كبيران جداً في المنطقة ومعهُ اللجنة الكنسية والشبيبة وأبناء الرعية في ناحية ديانا. ويحضرني الآن بيتاً من الشعر للمتنبّي حين يقول: ” لا تهزأ من صغير في مخاصمة إنّ البعوضة تدمي مقلة الأسد” الكل يحترمه بعقله المدبّر يعرفُ كلّ شاردة وواردة عن طبائع الناس يُقنع الذي لا يقتنع يعمل بهدوء ودائماً مجاب طلبهُ في أيّ مكان يذهب إليه لصفاء سريرته وعمل الروح القدس بقلبه الذي يوحي له بالحكمة والكلام. محترم من قبل الكورد ودليل إثباتي على ذلك بأنّي ذهبتُ في أحد الأيام إلى مدير ناحية ديانا في منطقة شهيدان أزادي راجياً منه تزويدي بتانكر من الماء الصالح للشرب لأنّ بيتي الذي أجرّته فيه بئر مياهه مالحة غير صالحة للشرب. قال: لي وقتها مدير الناحية لماذا لا تذهب إلى قاشا يترون هو الذي يحلّ مشكلتك؟.وهذه شهادة أعتزّ بها. أيضاً هو الذي حصّل لنا منحة المليون قبل أقراننا في أربيل ودهوك والسليمانية وعقرة وكويسنجق وهذا يرجع لدبلوماسيته وطريقة تعاملة مع موظفي دوائر الدولة وخاصة مؤسّسة برزان الخيرية حيث وفرّ لنا كوبونات المواد الغذائية علماً أنّ في بعض المناطق لم تصل إليهم الكوبونات لحدّ الآن والمؤن والأرزاق ومادة النفط والملابس التي تأتي من قبل المنظمات الدولية والمساعدات سواء التي قدّمت مساعداتها لمرّة واحدة كجمعية البشارة ومنظمة خيروثا ومنظمة اليونيسيف.أمّا التي قدّمت المساعدات للنازحين بإستمرار فهي جمعية الهلال الأحمر،منظمة برزان الخيرية، ومنظمة أسيرو التابعة لكنيسة المشرق الآشورية، ومنظمة سولث فونديش، والمساعدات التي أتت من قبل دولة الإمارات. بالإضافة لما زوّد لنا في فصل الصيف من مبرّدة ومروحة وثلاجة أمّا في عزّ الشتاء وزع لكل عائلة سجادة وطبّاخ ومطارح وبطانيات واللحاف والوسادة هذا بالإضافة لأهالي ديانا الخيرّين من كرد ومسيحيين لا فرق الذين كانوا ينحرون الأغنام والماعز ويقيمون الولائم ويوزعون اللحوم لجميع العوائل النازحة بالتساوي كعمل خير لهم وكلٌّ حسب طريقته الخاصة سواء توزيع القمصان أو تقديم الخبز الحار والدجاج واللحوم بالإضافة للأطعمة المطبوخة والمقدّمة من قبل أهالي ناحية ديانا. وفي الآونة الأخيرة تم توزيع الهدايا لكل عائلة بمناسبة حلول عيد ميلاد يسوع المسيح لهُ المجد وأعياد رأس السنة الميلادية المجيدة 2015 وإحياء حفلة ترفيهية للعوائل النازحة بهذه المناسبة. ولا ننسى حضور وفد رفيع المستوى من الأساقفة والمطارنة والكهنة والرهبان والراهبات الأجلاّء إلى ديانا سواء من لبنان، وسوريا، والعراق، وأمريكا، وإستراليا، ممّا كان دافعاً قوياً لنا للصبر وتحمّل المحنة وتقوية أواصر محبتنا ببعضنا ومع ربّنا يسوع المسيح لهُ المجد. وأيضاً حضور منظمة أجنبية لتعليم مادة اللغة الإنكليزية للطلبة الضعفاء الذين هم بطيىء التعلّم ودور التعليم المسيحي في إقامة دورات تعليمية ونشاطات شبابية من مسرح ورسم وتعليم الحاسوب وغيرها من النشاطات الأخرى. ودور الآباء الكهنة ومنهم الأب دريد بربر الذي عانوا مشقّة الطريق من محافظة أربيل إلى ناحية ديانا تقريباً ساعتان من أجل إحياء القداديس للعوائل المهجّرة في الأيّام العادية وفي مناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية المجيدة في كنيسة المشرق الآشورية” مار كيوركيس” لعدّة مرات. ولا زلنا نحنُ موجودين هنا وبعض العوائل سافرت خارج القطر والقسم الآخر رجع من الخارج إلى العراق بعد إستنفاذ أمواله وقسم آخر إنتقل من ديانا إلى أربيل بسبب عدم تحمّل برودة الجو.. ولا زلنا نترقّب بصيص أمل سواءاً كان قريباً أو بعيداً فإنّ رائحة الأرض تنادينا وأودّ أن أرسل رسالة إلى العالم بأنّ الشعب العراقي هو واحد لا تفرّقه المذاهب والأديان. وأنّ الجميع يسعى لنبذ التفرقة بين أبناء هذا البلد العزيز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish