زهرة للبحر وأخرى للريح

 

وكالة الآرامية/                                     كريم إينا – بغديدا

 

زهرة للبحر وأخرى للريح

للشاعر

حيدر محمود عبد الرزاق

 

تقدم هذه المجموعة صور لحياة إنسان راحل منذ طفولته حتى الغياب. وسرد التفاصيل الحزينة والمفرحة بلغة إخبارية يبدو فيها الشجن شاحبا رغم قوة العاطفة. أما الفرح فيطلعه إلى محطات حياتية في نغز الذاكرة الحية  وفي إعتصار كل خزانتها الوجدانية عندما يقول في قصيدة اللقاء عند باب الأفندي.│ خذ ترابا ، وتنشّق │ ينفتح باب المحلة │ وتراني عند ذاك الطاق  من باب الأفندي │ في إنتظارك. فهو يصف طفولته واللقاءات التي كان يلتقي بها مع الشاعر الرائد معد الجبوري وما يظهر من مفردة │ أنا وأنت │ للتذكر. ثم يزرع الشاعر تفاصيل الزمن بلغة جياشة تخلق الاستجابة في الشد الشعري الجيد. وقصيدة الزمن خير مثال لذلك فيقول: │ جرس العمر رن │والزمن │ عاد من حيث جاء│ ومضى في كفن │ لقد صور الشاعر ذاته، وهو يجد في حلمه للسكون  والمسجون تلاحقه الرؤى والأشباح ففي قصيدة: على أبواب مملكة الشعر يقول:│ أنا المنظور للأحلام │ أنا المسكون │ والمسجون بالشعر│ تلاحقني الرؤى زمراً │ قتيلات على صدري │ فالشاعر يعاند البحر والريح بأن تبقى أمنياته حقيقية كما هو العراق على حقيقته الجميلة. فهو يحب الشعر يأتي لنا بتساؤلات طالعة وخارجة من البحر مرة أخرى يطير محلّقاً عاليا قدر ما تهف به الريح ففي قصيدة: وأعقد صلحا مع البحر يقول: │وأعقد صلحا مع البحر │ يقترب البحر مني │ وأدخله قاتما │ أما في قصيدة شجرة كانت بصدري  فهو  يومئ إلى الريح بقوله:│ كنت تأتين مع الريح وتعطين القمر │ قبلة من فمك النهر، بقي الشاعر في صيرورة إنتظار دائم بعد أن يكون قد فقد مناعته وأحترق من لهيب الشمس بعد أن كان يذكر الظل وهو وراء الجدار هاربا من رؤاه. ففي قصيدة هارب من زمان بعيد يقول:│أحتمي في حريق │ وإذا إحمرت الشمس │أعرف كيف تكون │ وكيف تجيء. يعيش الشاعر هنا في حالة خلق التجانس في الصياغة الشعرية بحصانة الذات أمام العزلة التي يفرضها في قصيدة صمت الطبول فهو يقول:│ ياروحي الشريدة │أيها القلق الذي ينمو بجسمي │مثل أعشاش الطيور يمشي معي │ وهذا الاقتران يتحول إلى نغمة يقضمها الاعتراف في حضرة الشعر. فهو يحدث ثيمة الفوضى عندما يقول في قصيدته:│أعترف في حضرة الشعر أنت أقوى أيها الشعر من الفوضى التي تسكنني فهو يصنع مشهداً شعرياً تكتمل فيه إشتراطات الزمان لخلق لغة تنبئ عن جدلية الموقف الشعري فهو غير محكوم بمفردات حياة يومية ضاغطة بقدر قبوله الأشياء والتعامل معها بدقة وحذر حسب قناعته الرؤيوية. وتجيء مجموعة الشاعر بحوار صعب يمتلك طاقة شعرية قادرة على الخلق والإستبطان المضمر والمجهول فهو تارة  يشدّنا إلى عذاباته  وأخرى يغسل وردته بماء البحر. حقاً وردته مازالت متفتحة رغم مرور الغبار عليها منذ آلاف السنين. وأتساءل عن مواطن الخوف لدى الشاعر لا نجده مطارداً من قوى سياسية بل يعيش في عصر مزدهر تنبعث فيه الحرية عبر الثورات المتحررة من العبودية والاستغلال. لقد سما الشاعر بتجربته وتخطاها بالشعر بعد أن أحرق شمعته اللا متناهية وتوالد في فضاء الرمز الديني تحديداً. وتبنى عليه الدلالات والإحالات لوحي يتضامن مع معاناة الإنسان العراقي حالياً. ففي قصيدته اللجوء إلى البحر يقول:│ ماذا فعلت؟│ وكيف إجترأت علي؟│ أنت عمر مضى │ إن شعريته تجربة تنساق نحو لغة شفافة وإيقاع جذاب وصور شعرية ذات ديباجة خاصة يدل على أصالة شاعريته المعروفة في أكثر من عمل إبداعي. فهو يلقي الاستجابة المعرفية والوجدانية في النفس الإنسانية حين ذاك تصبح القصيدة عنده ذات معرفة شعرية أو شعراً معرفياً. لقد نجح الشاعر في خلق توافق بين الجمال والحقيقة. إذا قد إنطبقت المقولة المعروفة (إن الجمال هو الدليل الأمين في البحث عن الحقيقة ) فشاعرنا حيدر مبدع تسمو حياته الإنسانية مكتوبة بقلمه.

ولم يكن غريبا في هذه الحالة لما يظهر من نزوات وصرخات وفوضى تؤوله البطولة الفردية أمام الجميع. إستطاع شاعرنا أن يلعب دوره الحاسم في سرعة الاستجابة الشعرية مذ كان في الجزائر وقصائده السبعينية 1976 ( مخاصرة الأشجار الأولى و…الخ من المجاميع الأخرى. و المهم هنا ذكره لمسألة الوعي المسبق بمواقع القوى السائدة و إمكانياتها. والشاعر الثوري الذي يصوغ تجربته الشعرية في المرحلة  الراهنة يجد التغيير و التثوير بإعتبارهما شاهدان محفزان و مبشران لابد من حصولهما لجني الثمار اليانعة. ويحكي الشاعر عن سحابته الحزينة ويكتم حنينه نحوها في دمه وينتظر حتى قدوم المطر. ففي قصيدة السحابة يقول:│لا تحزني │ أنت معي │تخوّضين في دمي │ تفكرين بي وتنكرني│. وفي قصيدة  ما أهمله ساعي البريد: تحدث مفارقات بينه والوجه الآخر حين يقول: │فيطل هنالك عمري في زي الفتى │ يتأمل في المرآة │ يرى وجهك │هل تذكر. إن التمسك في اليوم الأول من كل عام  يأخذ شكل الفصول والمعانات القادرة على الاستبصار الشعري العميق والشغل الشاغل لشمولية الابتداء والانتهاء يضرب مثلا موسعاً يفوق حدود الخيال ففي قصيدته عام آخر يقول:│ اليوم الأول من بدء العام │ نحصي زمناً │ والكرة الأرضية لاتدري │ وفي قصيدة يجيء المحبون يقول:│ أذكرهم │ تجيء المحبة تجوعني │ أما في قصيدة إمرأة  فيقول:│ يا إمرأة ، أنت تهزين قناعتي، وتمحين دمي │ وتموتين │ فهو يضرب لنا مثلا في المناجاة التي يؤديها أمام النصف الآخر. أما قصيدة اللجوء إلى مملكة النسيان نجده رافعاً الوجود الإنساني في نهاراته الحرة. فهو ينادي الذاكرة المنبعثة من حدائق النسيان فهو يقول: │ آه من ذاكرتي المصدوعة │فلماذا بدلنا │ لا أذكر شيئا من تلك الأيام │. أما قصيدة الشعر يقول بها: │ أمنته │ هذا العصي النزق المجنون │ يحول في صمتي │ فيملا المكان بالضجيج، قد يتفق أو يختلف مع أفق المكان والجنون نحو صمته المنتظر. وقصيدة هوية لمملكة الشعر تناظر أختها مملكة النسيان فهو يقول:│ كنت تراقبنا أو تنتهز الأوقات المطوية فوق العتبات │ وتجالسنا │ وقصائد أخرى هنا وهناك لا يضام بريقها ويبقى بصيصها لكل من إعترته العتمة وأضلّ الطريق..

وقد أثارت إنتباهي في مجموعة  د. حيدر محمود عبد الرزاق طريقة الإهداء فهو يقول: إلى صباحات الشعر الجميلة، إلى اللمَّة الرائعة لما نكتب، إلى المحلة التراثية وذاكرة الطفولة، إلى دجلة منبع الحياة إلى السفر والرجوع إلى النساء والأكباد. ولكي لا أطيل الحديث أقول هذه الإهداءات بحد ذاتها قصيدة.

أتمنى له دوام الصحة والمزيد من الإبداع والإشراق لجيلنا نحن والأجيال القادمة ويبقى علماً من أعلام الشعر في العراق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish