عـيـد الـصـلـيب الـمُـقـدّس فـي الـرابـع عشر مـن أيـلـول كـل عــام

وكـالـة الارامـية / راغـب كَـرَش – رئـيس الـتـحـريـر

العيد الذي به نحتفل بوجود رمز خلاصنا ونتذكر في هذه الايام قصة حبٍ عظيمة ما عرف تاريخ البشرية مثلها هذه مناسبة لنتذكر ذاك الذي حرَّرنا بحبٍّ وقبلنا بذراع ممدودة على خشبة وجِراحٍ مؤلمة كانت تتجسد فيها كلماته وحياته ورسالته وحبُّه لنا جميعاً ، وهي دعوة لنبحث فيها مع الملكة هيلانة من جديد عن الصليب الممجَّد في حياتنا ، ونحتفل بإنارة الأضواء في دواخلنا وإشعال النيران في قلوبنا، نيران الحقيقة، نيران الحب،نيران التضحية والغفران .
ولنطلب من الرب معاً أن يساعدنا فنحمل صُلباننا ونسير بثقة وسط الجموع، ونحتضنها بحب وفرح ونرفعها حتى نُرفعُ عليها لنكون على غرار ذاك الذي أحبَّنا وأسلَم ذاته بتواضع معلَّقاً على الصليب، ليقول لكلِّ واحدٍ منا : هذا ما أقصده عندما أقول لك إنّي أحبُّك !

ولهذا العيد طقوس خاصة ومنها إشعال النار، فإشعال النار على رؤوس وقمم الجبال وسيلة إتصال للمسافات البعيدة ، فكل منطقة ترى النار مشتعلة تقوم بإشعال النار في منطقتها إلى أنْ يصل الخبر إلى الجهة المقصودة ، لذلك تم بهذه الوسيلة إبلاغ الملكة هيلانة بنبأ العثور على صليب المخلص ، هكذا صار إيقاد شعلة النار تقليداً للإحتفال بعيد الصليب لدى المسيحيين في كل مكان وزمان .

قــصة الـصـليب والـعـثـور عـليه

بعد صلب المسيح وقيامته قام البعض من اليهود المتعصبين بردم قبر المخلص ودفن الصليب المقدس وصليبَي اللصَّين الآخرين اللذين كانا معه، لإخفاء معالم صليب ربنا يسوع، نظراً للمعجزات التي كانت تحدث هناك وبجوار القبر المقدس ، فاختفى أثر الصليب مذ ذاك ولمدة تناهز ثلاثة قرون من الزمان .

وفي مطلع القرن الرابع الميلادي أراد قسطنطين الكبير (من ولادة صربيا، وهو إبن الإمبراطور قسطنطينوس الأول) أنْ يأخذ روما ويُصبح إمبراطور الغرب ، شنَّ سنة 312 معركة ضد عدوه ماكسينـتيوس على مشارف المدينة بالقرب من نهر التايبر، وفي الليلة التي سبقت المعركة ظهر الصليب في السماء محاطاً بهذه الكلمات بأحرف بارزة من نور ” بهذه العلامة تغلب ” .

كانت أم قسطنطين الملكة هيلانة مسيحية، لذا كان لدى قسطنطين معرفة مسبقة ومودَّة تجاه المسيحية، لكنَّه نفسه لم يكن مسيحياً آنذاك ، فجعل راية الصليب تخفق على كل راية وعَلَم، وخاض المعركة وانتصر على عدوِّه ، ولما أصبح قسطنطين إمبراطوراً على أوروبا باكملها، شرقاً وغرباً في 315-324 بعث الكنيسة من ظلمة الدياميس، وأمر بهدم معابد الأصنام وشيَّد مكانها الكنائس .

بعدها نذرت أمّه القديسة هيلانة أنْ تذهب إلى أورشليم لنوال بركة الأراضي المقدسة، بالقرب من جبل الجلجلة ، فأمرت بتنقيب المكان، وتم العثور على 3 صلبان خشبية، ولما لم يستطيعوا تمييز صليب الرب، إقترح القديس كيرلِّس بطريرك أورشليم بأنْ يختبروا فاعلية الصليب، ولأجل ذلك أحضروا ميتاً ووضَعوا عليه أحد الصلبان فلم يحدث شيء، وضعوا الثاني ولم يحدث شيء أيضا، وعندما وضعوا الصليب الأخير قام الميت ومجَّد اللـه، وبذلك توصَّلوا إلى معرفة الصليب الحقيقي للسيد يسوع المسيح .

أما قصة شعلة النار التي نوقدها في عيد الصليب فأصلها أنْ كانت فِرقُ الجنود المكلفة بالبحث عن الصليب قد اتفقت على إشارة إضرام النار في حال وَجَدَت إحداها عود الصليب ، وهكذا أضاءت المدينة كلها بوميض الشعلات ساعة إيجادها لعود الصليب، وكان ذلك اليوم هو الرابع عشر من ايلول، ولهذا السبب فإننا نحتفل بعيد الصليب بنفس هذا اليوم ، كما وامر الملك قسطنطين ببناء كنيسة في نفس موضع الصليب على جبل الجلجلة ، وسميت بكنيسة القيامة ، (وتسمى باللغات الغربية بأسم كنيسة القبر ايضاً) وهي لا تزال موجودة الى يومنا هذا .

ويُذكر أنَّ جمعاً غفيراً من الرهبان قد حضر حفل التدشين هذا ، قادمين من بلاد ما بين النهرين وسوريا ومصر وأقاليم أخرى، ومابين 40 الى 50 اسقفاً ، لا بل أن هناك من ذهب إلى القول بأنَّ حضور الإحتفال كان إلزامياً والتخلُّف عنه كان بمثابة خطيئة جسيمة .

وعبر تاريخٍ اخر فقد حدث وأنْ دخلت جيوش كسرى ملك الفرس إلى أورشليم ظافراً، وتم أسر الألوف من المسيحيين وفي مقدمتهم البطريرك زكريا، وأُضرِمت النار في كنيسة القيامة والكنائس الأخرى بتحريض من اليهود القاطنين في أورشليم، ونجا الصليب المكرَّم من النار بهمّة المؤمن يزدين الكلداني، لكنهم أخذوه غنيمةَ مع جملة ما أخذوا من أموال وذهب ونفائس إلى الخزانة الملكية ، وبقي الصليب في بلاد فارس حوالي 14 سنة .

ولما انتصر هرقل الملك اليوناني على الفرس، تمكَّن من إسترداد ذخيرة عود الصليب أيضا وكان ذلك سنة 628 ، فأتى إلى القسطنطينية التي خرجت بكل مَن فيها إلى استقباله بالمصابيح وتراتيل النصر والابتهاج ثم أُعيد الصليب إلى أورشليم من جديد ، ومنذ ذلك الحين بقي الصليب في أورشليم ، فيما تبقى من زمن، فان الملوك والأمراء والمؤمنين المسيحيين بعد ذلك بدأوا يطلبون قطعاً من الصليب للإحتفاظ بها كبركة لهم ولبيوتهم وممالكهم ، وهكذا لم يتبقَ في يومنا هذا من خشبة عود الصليب الاصلية الا قطعتَين، الأولى لا تزال في أورشليم، والثانية في كنيسة الصليب المقدس في روما .

……….. عيد صليب مبارك وكل عام والعالم المسيحي بالف الف خير ………..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish