محمد محسن آميدي … من ثائر ومقاتل … الى فنانٍ ومزارع بسيط

وكالة الارامية / تقارير – العمادية

   ظروف الحرب والثورة والتهجير والمنفى والبعد لم تتغلب على تطلعاته وحبه للحياة، بل ان مآسي الحرب جعلته ينظر الى الجانب المشرق من الحياة رغم خمس مرات من الاصابات والجروح البليغة

  • قرر العودة للحياة الطبيعية وممارسة دوره كشاعر وفنان ومن ثم مزارع وحامٍ للبيئة الساحرة في اقليم كردستان بخاصة مدينته العمادية فأقدم على عدة مشاريع فنية ومنها شركة انتاج سينمائي وقد لاقى فيلمه (وتَبرعمَ النرجس) اقبالاً واسعاً حيث شارك في مهرجان دهوك السينمائي الدولي وكذلك في مهرجان برلين السينمائي وحصل على جائزة منظمة العفو الدولية .

    ظروف الحرب والثورة والتهجير والمنفى والبعد لم تتغلب على تطلعاته وحبه للحياة، على العكس فان تلك المآسي  جعلته ينظر الى الجانب المشرق منها، فبالرغم من اصاباته المتكررة وجروحه البليغة عاد ليمارس حياته الطبيعية كأنسان عرف بشغفه وولعه بالفن وبكتابة الشعر حتى اخذ يلقب بالشاعر والفنان محمد محسن آميدي.

    آميدي فتح صرة ذكرياته المليئة بالشجاعة والعزيمة على النجاح قائلا :” بيئتي الساحرة في مدينة العمادية بأقليم كردستان هي التي الهمتي الاحساس بطعم الحياة، وجمال المدينة جعل صوتي يصدح بحب الحبيبة تارة والوطن تارة اخرى” .

    ويضيف:” في الخامسة عشر من عمري اي في ريعان شبابي، تركت مقاعد الدراسة ووضعت تطلعاتي وامالي جانبا لالتحق بحركة التحرر الكردية فكنت ضمن صفوف ثوار وقفوا بوجه النظام، لقد كانت لي تطلعات ثقافية وفنية وحباً جارفاً للحياة والجمال، لكن ظروف الحرب والضغوط التي كانت تمارسها سلطات النظام السابق جعلتني أرفض كل ذلك الظلم واللاعدالة واتوجه صوب الجبل كمقاتل شجاع يواجه غطرسة النظام “.

    محمد محسن يقول كلامه هذا بعد ان يسحب انفاسه لعدة مرات في وقت واحد وعيناه تكاد تغرق بالدموع وهو مستمر في حديثه :” الذاكرة متخمة بأيام مأساوية، وشبابي الذي رحل في خضم حروب انتجتها عقلية النظام السابق اضافة الى الدور الدولي الذي لم يكن في يوم ما مناصراً لقضايا الشعوب، لكني ارى جمال الحياة الان، فعلى الرغم من ظروف الحرب والثورة والتهجير والمنفى والبعد لم يتمكن اليأس من التغلب على تطلعاتي وحبي للحياة، على العكس اذ ان مآسي الحرب جعلتني أنظر الى الجانب المشرق من الحياة، فبعد أن قدمت الكثير من التضحيات مع رفاق الدرب في النضال وتقلدت مناصب عسكرية عليا، قررت العودة للحياة الاجتماعية الطبيعية وممارسة دوري كشاعر وفنان ومن ثم مزارع وحامٍ للبيئة الساحرة في اقليم كردستان وخاصة مدينتي العمادية”.

    أقدم محمد على عدة مشاريع فنية ومنها تأسيس شركة انتاج سينمائي وقد لاقى فيلمه “ئو نيركز بشكفين” ومعناه بالعربية “وتَبرعمَ النرجس” اقبالاً واسعاً حيث شارك في مهرجان دهوك السينمائي الدولي وكذلك في مهرجان برلين السينمائي وحصل على جائزة منظمة العفو الدولية، وهو من كتب قصة الفيلم وانتجه، وكان من اخراج حسين حسن ومسعود عارف وتصوير محمد جانو”.

    حيث اشار المناضل والفنان آميدي الى ان:” الفيلم يتحدث عن حياة احد افراد البيشمركة اثناء الثورة الكردية ونضاله من اجل تحقيق السلام والتطلع الى تحقيق الحب والوئام بين الانسانية قافزاً على الانتماءات العنصرية الضيقة”.

    مسترسلا في الحديث: أما فيلمي الثاني “بطل العصر” فكان من تأليفي وبطولتي وانتاجي، وتدور احداثه عن الحرب ضد تنظيم “داعش الارهابي” والتي شاركت فعليا في تلك المعارك العام 2014 الى 2017 مع نخبة من مثقفي وخريجي الجامعات من مدينة العمادية حيث تطوعت من جديد بعد تقاعدي ووقفت من جديد مقاتلاً بوجه هذا التنظيم الارهابي”.

    ويضيف آميدي:” المفارقة ان الكثير من لقطات الفيلم قد تم تصويرها في ساحات المعركة قرب سد الموصل فأثناء التصوير كانت القنابل تتساقط على المنطقة ، وتم انجازالفيلم بنجاح وسيتم عرضه في مهرجان دهوك السينمائي الدولي الشهر المقبل، والفيلم من اخراج جوان بامرني وتصوير محمد جانو”.

    ومحمد قال ايضا :” لدي فيلم وثائقي كبير عن العراق تناولت فيه التطورات والتحولات التي حدثت في العراق خلال العصر الحديث وهو قيد التنفيذ ويقوم المخرج الكردي كاميران بيتاسي باخراجه”.

    يخوض محمد محسن غمار الحياة الاجتماعية في مرحلته الحالية ببساطة المزارع واعماله الخيرية والفنية والثقافية اضافة مشروعه الاعلامي المتمثل في مجلة “سيلاف” العامة، وله الكثير من المبادرات للحفاظ على البيئة واشاعة ثقافة تنظيف البيئة مع الكثير من المتطوعين الذين يلبون نداءه وكذلك حماية الحيوانات البرية والحيلولة دون صيدها ومحاولة توعية الناس على ضرورة التمسك بثقافة المراعي الطبيعية للثروة الحيوانية وضرورة بناء السدود الصغيرة والاستفادة من مياه الامطار لخزنها في الوديان المتناثرة المحيطة بقضاء آميدي”العمادية”، تلك المدينة الساحرة التي كانت في يوم من الأيام قبل خمسة قرون عاصمة امارة “بهدينان” الكردية والتي ما تزال زاخرة بمراقد امرائها وفنانيها، ومنهم الفنان “حمكى توفى” الذي عاش قبل اربعة قرون وترك تراثاً ثراً من الأغاني، كما انجبت هذه المدينة الفنان الكبير تحسين طه مجدد الأغنية الكردية والذي غنى قصيدة رائعة من قصائد محمد محسن آميدي الا وهي اغنية “دارفاني” اي الحطاب والتي تتحدث عن عودة الثوار الكرد من البيشمركة الى منطقة العمادية بعد حملات الانفال السيئة الصيت عام 1988.

    الحياة محطات تختلف باختلاف الظروف، والانسان المتيمز الممتلك للرؤية المستقبلية يدرك أهمية المحطات والوقوف عندها والانطلاق منها لتقديم ما يمكن تقديمه لخدمة الانسان والمجتمع، ودونما شك فانَّ هذا الشيء بحد ذاته يتطلب التحلي بالرؤية وكذلك امتلاك الأدوات والآليات الكفيلة بتحقيق التطلع الذي يتجاوز مبدأ المنفعة الشخصية ليكون في خدمة المجتمع والانسان بخاصة في بلداننا الشرق أوسطية وعلى الأخص في بلد مثل العراق أنهكته الحروب الخارجية والداخلية ومآسيها وانهكته تداعيات السياسات الخاطئة للأنظمة التي حكمته وجعلته بلداً يمتاز بنزيف الدم والمقدرات، وكان لنظام البعث الشمولي الديكتاتوري السابق دوراً فاق التصورات لقهر الانسان وقبر التطلعات وتحويل الوطن الى سجن كبير ومدفنٍ واسع. اقليم كردستان كان مسرحاً لأحداثٍ كبيرة وخطيرة على المستويين السياسي والعسكري منذ ايلول 1961، وقد أدت السياسات الغاشمة وغياب الرؤى والحلول الديمقراطية وكذلك المصالح الدولية والاقليمية وغياب العدالة الى أن تكون هناك ثورة وحركة مسلحة كردية وصلت الى حد الصدامات الكبيرة والخطيرة بين الأنظمة العراقية المتعاقبة وبين الحركة الكردية وبخاصة في عهد نظام البعث ، ووصل الحد الى خرق كل القوانين الدولية وبدون حياء اقدم ذاك النظام على استخدام الاسلحة المحرمة دولياً ضد مواطني هذا البلد من الكرد ومن ثم قام بحملات الجينوسايد التي تجلت في حملات الأنفال السيئة الصيت، فكان من البديهي ان يقف بوجه تلك الانظمة رجال شجعان حيث كان محمد محسن واحدا منهم.

    والجدير بالذكر ان محمد محسن آميدي من مواليد مدينة آميدي “العمادية” العام 1964 ، التحق بالثورة الكردية ضمن صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني في 18/2/1979 في منطقة دهوك، ينحدر من عائلة عرفت بخدماتها ومساهماتها في ساحة السياسة والدبلوماسية والفكر والعلم وتدعى “كتاني” المعروفة في منطقة بهدينان، اذ كانت تلك العائلة واحده من التي اسهمت وبشكل فعال في جمهورية مهاباد سنة 1946 سواء على المستوى السياسي او العسكري وقد كان الرائد الشهيدعزت عبد العزيز  وهو عم والده احد أشهر الضباط من ضمن الكرد الذين وقفوا بوجه النظام الشاهنشاهي البائد واسهموا في وضع لبنات جمهورية مهاباد وقد اعدم سنة 1947 من قبل النظام الملكي العراقي بسبب مواقفه تلك، كما أن احد ابناء عمومته كان دبلومسياً مرموقاً ومتوازناً ومثل الدولة العراقية في المحافل الدولية وهو الراحل الدكتور “عصمت كتاني” والذي عُرف بأنه قد شغل منصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة من العام “1981” الى “1982” والراحل عصمت كتاني هو نجل الثائر الكردي طه عبدالعزيز أحد مقاتلي جمهورية مهاباد شقيق الشهيد عزت عبدالعزيز، وقد اكمل دراساته العليا في مجال العلاقات الدولية واللغة الانكليزية في العام 1947 في الولايات المتحدة الاميركية وعاد الى العراق العام 1951وخاض في العمل الدبلوماسي اذ تم تعيينه مطلع خمسينيات القرن الماضي ملحقاً دبلوماسيا في وزارة الخارجية العراقية ثم عين في السفارة العراقية بالقاهرة بدرجة سكرتير ثالث، بعدها في جنيف بدرجة سكرتير ثانٍ ثم انتدب الى الأمم المتحدة العام “1958” وفي العام “1961” تم تعينه بمنصب الممثل الدائم للعراق لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وفي العام 1964 عاد كتاني الى نيويورك ليعمل موظفا في الأمانة العامة للأمم المتحدة فشغل مناصب عليا مع يوناثت، كولد فالدهايم، دي كويلار، بطرس غالي، ثم كوفي عنان وكان قد تم تعيينه مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة كولد فالدهايم 1973، لكن النظام البعثي كان يعرقل تقدمه بسبب انتمائه للقومية الكردية ، والخشية من علاقاته الواسعة وربما تعاطفه مع القضية الكردية، خصوصا ان القتال كان محتدما بين النظام العراقي في حينه والحركة الكردية.

    وحين وفاته في كانون الثاني 2001 نعى الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عصمت قائلا : ” حياته كانت مثالاً لنا جميعاً وان وفاته لم تكن خسارة لأولاده ولذويه فحسب بل خسارة للأمم المتحدة “. و قال عنه الأخضر الابراهيمي يرثيه “لم اجد دبلوماسيا ألمع وأكثر حضورا منه ”، كان هذا زمن عمل فيه ساسته من اجل مصلحة الاوطان والناس لأمن اجل مصالحهم .. كذلك برزت اسماء لامعة في عالم العلم من اعمام محمد محسن منهم الدكتور حسن كتاني والذي حصل في خمسينيات القرن الماضي على شهادة الدكتوراه في الغابات وكان له دور في التدريس وكذلك في الأبحاث العلمية، اضافة الى الدكتور مسعود كتاني والذي كان شاعراً وفناناً تشكيلياً وبارعاً في مجال طب الأعشاب وكان أيضاً حاصلاً على شهادة الدكتوراه في الزراعة، كما ان والده السيد محسن صالح كتاني من أوائل من التحق بالثوار الكرد في جمهورية مهاباد وهو شاعر ايضا وكان برلمانيا لدورة انتخابية في برلمان كردستان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish