قصّة قصيرة إنتقام القط

وكالة الآرامية /       أدب وشعر    كريم إينا – بغديدا

 

 

كريم إينا

 

دائماً تتعثّرُ بنا المفاجئات وجهاً لوجه،تدخلُ في زمننا الغائب الحاضر،ربّما الخوف هو السبب في البحث عن حكاية جديدة،رأيته جالساً تحت الحافلة وذيلهُ الممشوق يتدلّى يبرقُ من الجهة الأخرى،وقتها كنتُ جندياً في الجيش العراقي دفعني الفضول لإستفزازه بأنف بسطالي الضخم الذي هرس ذيلهُ إلى حدّ الصرخة،في تلك اللحظة نهرني بقبضة من فكيّ فمه على رجلي اليسرى مسببّاً لي ألماً فاجعاً ولولا جواريبي العسكرية السوداء الثخينة لأصبحتُ في عدّاد الموتى.هربَ بلونه الداكن وكأنّ الأمر لا يعنيه. أو ربّما عبّر في عضّته هذه لي درساً لن أنساهُ تجاهلتُ عضّته المتعمّدة،أردتُ وبكلّ إصرار متابعته حتى لو كلّفني حياتي كلّها  كحركاته،تنقلاته وكأنّه حلم يراودني دائماً بالإنتصار،ولكن لا يهمّني ما حصل،المهم أن أعثر على مضجعه،إلتقيتُ بإمرأة عجوز سألتها عنه قالت: يأتي عندي في الليل أطعمهُ ينام في الطابق العلوي ثمّ يذهبُ في الصباح الباكر،يا لهُ من قطّ ذكي يفتحُ الأواعي وثلاجات البيوت وينهمُ الطعام بما لذّ وطاب والناس ينصبون له الفخاخ هنا وهناك ولكن دون جدوى،وبعد حيرة طاغية إستطعتُ أن أجدهُ عالقاً بكيس من أكياس القمامة وهو ما زالَ يتعاملُ مع جلد وأحشاء الدجاج الفاطس،لا يبالي فهو يتأرجحُ ما بين الحياة والموت.دام صمتي خلال شروده حيثُ تلاقت نظراتنا معاً ببريق الشمس،وأظلّ ألاحقهُ بأرجلي إلى أن يشعر بالضجر فيلقي بما في فمه من لحم مسروق دفعة واحدة،والجميل فيه ولعهُ الدائم بالهرولة عندما يرجع إلى المرأة العجوز تراهُ يهرولُ مسرعاً من أطياف تلاحقهُ،إمتدّ الوسواسُ في ذاكرتي،خيّلَ لي إحساسٌ بالذنب أتحدّثُ مع نفسي بصوت مرتفع إنّه مجرّد هرّ،قد يعودُ ونلتقي ثانية، قبل لحظات قليلة شاهدته يرتدّ بدهشة نفاثة إلى مطبخ بيتي علماً أنّي لا أملكُ ثلاجة ولا حتى قطعة لحم فكّرتُ بمحاصرته،تذكّرتُ مقولة أحدهم:إيّاكَ أن تحاصرُ قطّاً أو قطةً في زاوية ما فإنّهما قد ينقلبا إلى نمر،لم أستطع مضغ كلام صديقي، نظرتُ إليه فرأيتُ الألم يتدفّقُ من نظراته ويواجهني بحقيقة الحزن. قلتُ ببرود إنّك تلاحقُ فقاعات الغليان،قد تكونُ لكَ نقمة وإنتقام،إعترتهُ قسوة الجوع،تراهُ يقفزُ من غرفة إلى غرفة في كلّ بيوت المحلة،ومنذُ تلك اللحظة عرفتُ أنّ عليه أن يعيشَ في غفلة لن يقتحم خلوتهُ أحد،لونهُ الأسود المنقّط بالأصفر أيقظَ في نفسي سرّهُ العميق وكلّ ما تخفيه دقائق الأمور،مرّ من أمامي بسرعة خاطفة ككرة نارية عاودتُ النظر به وبصورته الغامضة فضاع من أمامي قطع حبلَ تأمّلاتي فإمتعضتُ كثيراً،حاولتُ اللحاق به ولكنّي عدتُ أدراجي لأفكّر به ثانية. مرّت أيّام وليالي والقط ما زالَ يسكن بيت العجوزة وفجأةً دخلَ ثلاثة رجال متخفّينَ إلى بيتها لسرقته والقط ما زال في الطابق العلوي يراقبُ ما يحدث.وفجأةً سُمعَ صوت صرخة كبيرة مع قبضة الفولاذ في آن واحد ولكن الرأس لم يتحرّك مشدوهاً ببكاء مكتوم يصدرُ منهُ،وكأنّهُ يُسبرُ أغوار الزمان بلا رحمة.بدت المرأة العجوز بأيدي اللصوص كمومياء فرعونية،إنطفأت شمعتها النيّرة،حفظ القط ملامح اللصوص الثلاثة وبدأ يتعقّبهم وهم يدفنوننها بعد أن أخذوا كلّ مجوهراتها ومقتنياتها الثمينة، بعد ثلاثة أيّام من الحادثة كان أحد اللصوص يحومُ حول الجريمة صاعداً من فوق العمارة كعادته ليحصل على المال من أحدهم ولكن تراهُ قد فوجىء بقفزة على وجهه بأصابعه الحادة ممّا شوّه وجهه فلم يستطع أن يرى بدأ بالصراخ عالياً بشدّة وهو يسقط طائراً في الهواء يجثو على صخرة كبيرة حتى الموت،ذهب لصٌ واحد بقي إثنان ما زالَ القط ينوي الإنتقام ويتحاينُ الفرص لردّ جميل مربّيته،في وحشة الليل وضباب الأمكنة بدأ ظل أو ربّما هيئة شخص قادم يتسلّق أنابيب مجاري المياه ينوي سرقة بيت الجيران وفي تلك الأثناء كان الروبوت الآلي للقط الأسود يتربّص له بحذر عندما يدخل وبدخوله قفز على عينيه فإنغلقت الدنيا بوجهه بدا كالأعمى يمسكُ عكّازه ليهرب وعند نزوله من السلالم هجم عليه مرّة أخرى فسقط من الطابق الثالث وهو يتدحرج ويتقلّب إلى آخر درج في العمارة حتى أمسى كالفزاعة.لحدّ الآن قتل القط لصّين ولن يشفي غليلهُ إلاّ حين يعثر على اللص الثالث.كانَ القط يتجوّل في حدائق المتنزهات يبحثُ عن طعام في القمامة وفجأة لمحت عيناهُ وجه اللصّ الثالث وهو يدخّنُ سيكارة،بدأ يهجم عليه ولم يكترث للعصا الغليظة التي بيده اليمنى غرز بها أسنانهُ وهو يشدّ بقوّة ترك العصا مهرولاً والخوف يعمي أبصارهُ توجّه نحو دار العدالة والقط وراءهُ دخل عند القاضي يطلبُ منه الرحمة والسماع بما يدليه من إعتراف كامل بالجريمة التي إرتكبها مع زملائه بقتل المرأة العجوز حينَ ذاك حكم عليه القاضي بالسجن المؤبّد مع الأشغال الشاقة،وبهذا تيقّنَ أنّهُ سوف يقضي نحبهُ في السجن بعيداً عن القط ولكن تخمينهُ لم يكن في محلّه،ذات مساء وفي ليلة بلهاء ظهر القط المتهرهر من فتحة التهوية لغرفة اللص السجين وهو ينفخ نفسهُ كالنمر قفز طائراً على اللص الثالث وهو يقضم عنقهُ حدّ التخمة لم يفارقهُ القط حتى إنقطع نفسهُ الأخير حينها قفلَ راجعاً طائراً معبّراً عن سعادته بهذا الإنتصار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish