المسيحية الاخيرة: ماض أليم ومستقبل مجهول … وثائقي يرصد مصير مسيحيي تركيا والعراق

وكالة الارامية / اخبار الشعب المسيحي

كانت نسبة المسيحيين في تركيا تتراوح ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين بالمئة من السكان في عام 1914. وبنهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 انحدر عددهم ليشكلوا أقل من واحد في المئة من السكان. وهؤلاء المسيحيون كانوا بمعظمهم من الأرمن واليونانيين ومن طوائف شرقية من التقليد السرياني.

حضور تبشيري

كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما تسعى٬ منذ نحو خمسة قرون٬ لاستمالة هؤلاء إلى معتقدها٬ من خلال إرساليات انصبّ مجهودها على ميادين التبشير والتعليم. ونجح الفاتيكان في مسعاه٬ حيث نشأت في تركيا وعلى امتداد بلاد المشرق والعراق٬ كنائس كاثوليكية خرجت عن التقليد الشرقي، مثل السريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك والروم الكاثوليك والكلدان.

وكان الرهبان الكبّوشيون من أنشط الإرساليات التي رسّخت حضورها في جنوبي تركيا، حيث الوجود المسيحي الكثيف الناطق بالسريانية والعربية.

سيفو: نكبة لا مثيل لها

وفي مطلع الحرب العالمية الأولى٬ الدائرة بين السلطنة العثمانية والامبراطورية الروسية٬ على الجبهة الشرقية للسلطنة٬ أي حيث تقع أرمينيا٬ قررت حكومة “تركيا الفتاة” الحاكمة آنذاك٬ نقل الارمن الى مناطق بعيدة عن الجبهة داخل السلطنة٬ توجّسًا من تحالف محتمل بينهم وبين الروس٬ من منطلق خلفيتهم المسيحية الارثوذوكسية.

لكن، عملية نقل السكان الأرمن٬ في واقع الأمر٬ أخذت شكل قوافل بشرية معظمها من النساء والأطفال والعجّز٬ تعرّض معظمهم للتجويع والسبي والذبح والقتل، على يد الجنود العثمانيين والبعض من القبائل الكردية التي عبرت هذه القوافل أراضيها.

وسرعان ما امتدّت موجة اضطهاد الأرمن لتشمل باقي الطوائف المسيحية٬ لدرجة إفنائها في بعض المناطق بحيث فقدت بعض الطوائف ما يقارب ثلث او حتى نصف عددها. عُرفت هذه النكبة في اوساط السريان والآشوريين بالسيفو أي سنة السيف.

علاقة شخصية

وكان موضوع مسيحيي جنوب تركيا والعراق يشغلني منذ زمن. وكنت في خضم التحضير لوثائقي عن مصير هذه المجموعات تحت عنوان “آخرالمسيحيين”. ورغم أنه لا صلة لي بتركيا حاليا٬ إلا أنني اكتشفت أن في تاريخ عائلتي ما يربطني بما دار هناك، في تلك الحقبة من أحداث.

الأب ليونار ملكي، هو من الراهبان الكبوشيين ونسيب لي من جيل أجدادي٬ من بلدتي بعبدات الواقعة في جبل لبنان والمشرفة على ساحل العاصمة بيروت. كان الأب ليونار قد أرسل إلى مدينة ماردين في جنوبي شرق تركيا للإهتمام بأمور التعليم والإرشاد في مدرسة دير الرهبان الكبوشيين هناك.

وما لبس أن ارتبط مصيره بمصير المجموعات المسيحية التي بدأت تطالها موجة الاضطهاد سنة 1915، ففي شهر حزيران/ يونيو من ذلك العام أعتقل الأب ليونار على غرار من كانت لهم مكانة مرموقة٬ من رجال دين أو أعمال٬ وسواهم. سيق الأب ليونار في إحدى قوافل المعتقلين٬ من ماردين الى مدينة دياربكر. وعلى الطريق بين المدينتين أوقفت القافلة وأعدم كل أفرادها ومنهم الأب ليونار.

وبعد مرور قرن على هذه الحادثة٬ تنظر الكنيسة الكاثوليكية اليوم في ملف تطويبه.لكنني لم أكتف بهذا القدر.

بات في نظري مصير ابن قريتي الشاب مرتبطاً بشكل وثيق بما آل اليه مصير مسيحيي تركيا، وازددت فضولاً لمعرفة المزيد عن هذه المأساة.

قصدت لبنان بغرض التحدث الى نسيب آخر لي، هو فارس ملكي٬ وهو سليل مباشر للأب ليونار. وقد كرّس فارس ملكي النفيس من وقته لجمع ما توفّر من وثائق تاريخية عنه وعرضها في موقع خاص على الانترنت. وبناءً على ما أطلعني عليه٬ عقدت العزم على زيارة المواقع التي كانت شاهدا على الوجود المسيحي وعلى اندثاره، من خلال تصوير هذه المواقع وعرض مأساة الأب ليونار في فيلم وثائقي.

على خطى قريبي

ماردين مدينة تفتخر بتاريخ عمره آلاف السنين. واسمها بالآرامية يعني العاصية أو المتمردة أو القلعة. وقبل الحرب العالمية الأولى٬ كانت مدينة مزدهرة وتضم كل المكونات العرقية للسلطنة العثمانية٬ من أتراك وأكراد وأرمن وسريان وكلدان. وكان مسيحيّوها يشكلون أكثر من ثلث سكان المدينة.

أما اليوم٬ فالوجود المسيحي يكاد يكون معدوماً. وشاء القدر أن التقي بسيدة تحتفظ بمعلومات عن الأديرة والكنائس التي غاب آثرها. ومنها الدير ومدرسة الأب ليونار. دير الكبوشيين الذي كان قبل قرن من الزمن مركزاً تعليمياً مرموقاً أضحى موقفاً للسيارات! واصطحبتني السيدة إلى مبنى حمام ليس إلا بقية من آثار الدير المُغيّب.

وكان فارس قد أطلعني على وثيقة للأب جاك ريتوري تصِف أحوالهم أثناء عبورهم الحي المسيحي في المدينة جاء فيها: “كانت السماء في تلك الليلة صافية، فتمكّن الناس من مشاهدة موكب السجناء، مربوطين كلّ اثنين إلى بعضهما، مغلولين بالقيود والأصفاد، شاهدوهم من فوق أسطح المنازل، ومن خلال النوافذ المشرعة. وكان يلاحظ بعضهم يتلكأ في مشيته منهكًا، وبعضهم يسير حافي القدمين، لا تستر أجسامهم إلاّ خرق بالية”.

“كان الأب ليونار الكبّوشي يسير على رأس القافلة بين أخوين من رهبنة مار فرنسيس الثالثة للعلمانيين. ولَــمّــا مَرَّ من أمام ديره، رفع رأسه محييًا للمرّة الأخيرة ذلك المقام المقدّس، حيث عاش سعيدًا يزرع الخيرات”.

وسرت مع فريق بي بي سي على الدرب الذي سلكته القافلة نحو دياربكر، وعلى طريقنا تقع تلة تدعى قلعة زرزوان. وفيها آثار لمباني من الحقبة الرومانية. وصلنا عند المغيب، وفي هذا الموقع الذي كان شاهداً على آلام الآب الكبوشي وكل من جمعتهم قافلة الموت٬ استذكرت ما نقله شهود عيان:

“اقتيدوا على بعد ساعة من هنا، إلى المحلّة المعروفة بـقلعة زرزوان، حيث قُتلوا فيها جميعها، أربعة بعد أربعة، بضرب الحجارة، والخنجر، والسيف القصير، واليطقان، والهراوة، وأُلقي بهم في الآبار”.

خسارة لم تُعوض
حاول مسيحيو تركيا العودة إلى ديارهم بعد نهاية الحرب، لكن الجمهورية التركية الفتية حافظت على موقف السلطنة العثمانية من رعاياها المسيحيين٬ ولم تسمح بوجود إلا العدد القليل الذي نجى مما حلّ بهم من ويلات. ودفعت الأجواء السلبية لاحقاً٬ كالحرب بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني والتهميش من قِبل السلطات٬ بمن بقي نحو الهجرة.

ولم يبق من شعب عاش لآلاف السنين في تلك الأرض سوى حوالي ألفين وخمسمئة شخص وتراث معماري وثقافي بات اليوم مجرد آثار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish