يتحدث عاطفياً ولا يقول شيئاً.. ما رأي أرسطو في ترامب؟

وكالة الارامية / ثقافة

    لكل رئيس أميركي أسلوبه في الخطابة والتواصل، لكن القاسم المشترك بينهم هو القدرة على “توجيه رسائل مقنعة ترتبط بشرائح كبيرة من المواطنين الأميركيين” بحسب الأستاذ المشارك بكتابة البلاغة والاتصال بجامعة ماساتشوستس دارتموث أنتوني آريغو.

وبغض النظر عن رأيك حول الرئيس الحالي دونالد ترامب واستخدامه المفرط لتويتر، فهو ناجح للغاية في القيام بذلك. والسؤال: لماذا وكيف يفعل ذلك؟ يقول آريغو في مقال منشور بموقع “ذاكانفيرسايشن” إن ترامب يستخدم إستراتيجيات بلاغية كانت موجودة منذ أكثر من ألفي عام.

كانت هناك العديد من التعريفات للبلاغة منذ أرسطو، وهي فن استخدام اللغة للإقناع أو ممارسة ودراسة التواصل الإقناعي. وتم تطويرها لأول مرة في اليونان القديمة، ونشأت حاجة الناس للدفاع عن أنفسهم بالمحاكم القانونية، وهو اختراع جديد تمامًا في ذلك الوقت.

وبما أن الأساليب الجدلية والبرهانية ضرورية لإيجاد الحقيقة بالمسائل النظرية، فإن الأساليب البلاغية مطلوبة بالأمور العملية مثل الفصل في إدانة شخص ما أو براءته عند توجيه اتهام إليه بمحكمة قانونية.

وكان الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 قبل الميلاد) أحد أكثر المفكرين تأثيراً في العالم بهذا الصدد حيث كان طالبا لدى أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر. كتب عن الفلسفة والشعر والموسيقى والبيولوجيا وعلم الحيوان والاقتصاد ومواضيع أخرى.

كما أنه كتب عن البلاغة وأسّس لنظام تفصيلي لفهم كل ما هو مقنع وكيفية إنشاء رسائل مقنعة، ولاحقاً أصبحت ممارسة تدريب الخطباء على البلاغة شائعة باليونان وغيرها.

وبالنسبة لأرسطو، هناك ثلاثة عناصر رئيسية تعمل معًا لإنشاء رسالة مقنعة: استخدام الشخص للمنطق والاستدلال، ومصداقيته، استخدامه للنداءات العاطفية.

تمنى أرسطو أن يتم إقناع الجميع بالحجج المنطقية التفصيلية، ولكن هذا النهج غالباً ما يكون مملاً، وشعر أرسطو بأن معظم الناس ليسوا أذكياء بما يكفي ليفهموا الحجج المنطقية على كل حال. فالحقائق والوثائق والمنطق والبيانات -وما إلى ذلك- كلها أمور مهمة، ولكنها لا تكفي لإقناع الجماهير. لذا، زعم أرسطو أننا بحاجة إلى أمرين آخرين، هنا تحديداً تكون لعبة ترامب: المصداقية والعاطفة.

ترامب والمصداقية
يجادل أرسطو بأن مصداقية شخص ما -أو “روحه”- هي أحد العناصر التي يجدها الأشخاص أكثر إقناعا من الاستدلالات المنطقية.

ومع ذلك، قال أيضا إن المصداقية ليست سمة عالمية مسلما بها لدى الجميع. مثلا، تمنحك درجة جامعية المصداقية فقط لشخص آخر يعرف عن هذه الجامعة، ويتفهم طابعها الثقافي ويحترم ما تمثله الجامعة. لكن الدرجة بحد ذاتها لا تعطيك مصداقية لدى الجميع إلا بقدر انطباعهم عنها.

قال أرسطو أيضًا أن إحدى السمات المهمة للمصداقية هي الظهور بمظهر الحريص على مصلحة الجمهور من خلال مشاركة وتأكيد رغباته ومغازلة أحكامه المسبقة وفهم قيمه الثقافية وتضخيمها. وفي السياسة، فإن السياسي الذي يقوم بفعل ذلك بطريقة أفضل سيحصل على الأصوات أكثر.

لذلك عندما يقول ترامب إن التغير المناخي خدعة أو “وسائل الإعلام عدو الشعب الأميركي” فإن ما يجعل ذلك فعالا لبعض الجماهير لا علاقة له بصدق تلك التصريحات من عدمه.

بدلاً من ذلك، يلتقط ترامب أفكار وشكاوى جمهوره ثم يعكسها في خطابه. وكلما تمكن من الوصول لهذه المساحة لدى جمهوره المحدد زاد إعجابهم به أكثر ووجدوه ذا مصداقية.

في كثير من الأحيان، يتطور “السياسيون” من موقف أكسبهم ولاءً شديدًا من مجموعة صغيرة إلى موقف يعتقدون أنه سيكون له صدى لدى مجموعة أكبر من أجل الحصول على المزيد من المؤيدين. هذا يناسب بعض السياسيين، لكن هذه ليست إستراتيجية ترامب.

فالرئيس الأميركي يهتم بمواصلة تعزيز مصداقيته لدى مؤيديه الأساسيين، ويقيم روابط أقوى ويحدد بشكل أوثق تلك المجموعة أفضل من سياسي آخر لديه رؤية أكثر اعتدالا، وهذا يخلق تطرفاً على الجانبين: مؤيدون عاطفيون ومعارضون متشددون.

ولا يمانع ترامب إذا كان كثيرون لا يتفقون معه، لأنه لا يتحدث إليه على كل حال ولا يوجه خطابه لهم، لديه إستراتيجية واضحة للاتصال المكثف بشريحة معينة من مؤيديه الأساسيين الذين يوجه إليهم خطابه، وهذا كل ما يهمه.

ترامب والعاطفة
إن التفاخر بمصداقيتك مع النداءات العاطفية -أو ما يسميه أرسطو “الشفقة”- يصبح فعالا بشكل كبير. وكما كتب ذات مرة “يتعاطف المستمع دائما مع شخص يتحدث عاطفيا، رغم أنه لا يقول شيئا حقا”.

الغضب -على سبيل المثال- عاطفة يمكن للمتحدث أن يثيرها في جمهوره باستخدام إهانات حقيقية أو متصورة. في الكتاب الثاني من مؤلفه “في البلاغة” كتب أرسطو أن الغضب دافع للانتقام، إذ يستطيع المتحدث أن يثير عواطف الجمهور ويوجه استياءه وإحباطه باتجاه خصومه عبر إثارة غضبهم وشعورهم بالاستياء.

في مقطع آخر، كتب أرسطو “الأشخاص الذين يعانون من المرض أو الفقر أو الحب أو العطش أو أي رغبات أخرى غير مرضية عرضة للغضب بسهولة، خاصة ضد أولئك الذين يتجاهلون ضائقتهم الحالية”.

إن استخدام الازدراء لتوجيه الغضب إستراتيجية شبه يومية استخدمها ترامب ضد مكتب التحقيقات الفدرالي ووسائل الإعلام، والتحقيق الذي يجريه المحقق الخاص مولر وقناة CNN وغيره من الخصوم.

أسلوب ترامب
أسلوب اللغة للمتحدث مهم أيضًا. وترامب يقوم بذلك بطريقة فعالة.
وقد أوصى أرسطو أن يحدد المتحدث أولاً المشاعر التي يحملها جمهوره بالفعل، ثم يستخدم لغة حيوية لها صدى مع جمهور محدد لتكثيف ومغازلة هذه المشاعر.

وقد استخدم ترامب هذا التكتيك مرارًا وتكرارًا، خاصة في تجمعاته الانتخابية. مثلا، يستدعي ترامب بشكل منتظم خصما مألوفا، هيلاري كلينتون، في مسيراته، مستنداً لعداء جمهوره المعروف تجاهها وتشجيعهم في الهتاف ضدها و”حبسها” ووصف خسارتها ليلة الانتخابات بأنها “جنازتها” ويستخدم أسلوبًا عدوانيًا للغة تعكس وتزيد من المشاعر الموجودة بالفعل لدى جمهوره.

الجانب السلبي أنه كلما استخدمت لغة لا تتوافق بشكل كبير مع المجموعات الأخرى كانوا أكثر كرهًا له. ولكن يبدو أن هذا شيء يريده ترامب، وهو ما يمنحه مصداقية أكبر لدى أنصاره.

ويبقى المستقبل مفتوحاً لنرى إن كان هذا النهج سينجح في المستقبل ويصبح إستراتيجية خطابية وحتى انتخابية ناجحة بالنسبة لترامب وغيره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ArabicEnglishFrenchGermanItalianKurdish (Kurmanji)PersianTurkish